شرح تذكرة السامع والمتكلم (١٢) | الشيخ صالح العصيمي
0:00السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله الذي جعل طلب العلم من اجل القربات. وتعبدنا به طول الحياة الى الممات واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه
0:20وسلم ما عقدت مجالس التعليم وعلى اله وصحبه الحائزين مراتب التقديم. اما بعد فهذا الدرس الثاني عشر من شرح الكتاب الاول من برنامج التعليم المستمر في سنته الاولى سنة ثلاثين بعد الاربع مئة والالف واحدى وثلاثين بعد الاربع مئة والالف. وهو كتاب
0:50تذكرة السامع والمتكلم للعلامة محمد بن ابراهيم بن جماعة. ويتلوه الكتاب الثاني وهو بلوغ القاصد جل المقاصد العلامة عبدالرحمن بن عبدالله البعلي. ويتلوه الكتاب الثالث وهو فتح الرحيم الملك العلام للعلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى. وقد انتهى بنا البيان في الكتاب الاول
1:20الى قول المصنف رحمه الله تعالى في الفصل الثالث من الباب الاول الخامس ان يسمح له بسهولة الالقاء في تعليمه. نعم احسن الله اليك بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين
1:40اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين ولجميع المسلمين. قال المصنف رحمه الله تعالى الخامس ان يسبح ان يسمح له بسهولة الالقاء في تعليمه وحسن التلطف في تفهيمه لا سيما اذا كان اهلا لذلك لحسن ادبه وجودة طلبه
2:00ويحرصه على ضبط الفوائد وحفظ الفرائض ولا يدخر عنه من انواع العلوم ما يسأله عنه وهو اهل له. لان ذلك ربما يوحش الصدر وينفر القلب ويورث الوحشة. ولذلك لا يلقي اليه ما لم يتأهل له. لان ذلك يبدد ذهنه
2:20فهمه فان سأله الطالب شيئا من ذلك لم يجبه ويعرفه ان ذلك يضره ولا ينفعه. وان منعه منه شفقة عليه ولطف به لا بخلا عليه. ثم يرغبه عند ذلك في الاجتهاد والتحصيل ليتأهل لذلك وغيره
2:40وقد روي في تفسير الرباني انه الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. ذكر رحمه الله تعالى ادبا خامسا من اداب العالم مع طلبته مطلقا وفي حلقته. وهو ان يسمح
3:00للمتلقي عنه بسهولة الالقاء في تعليمه. وحسن التلطف في تفهيمه. لان الدين مبني على اليسر كما روى البخاري من حديث ابي هريرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ان الدين يسر
3:20واصل العلوم في الشريعة هو القرآن الكريم مبني على اليسر كما قال الله سبحانه وتعالى ولقد يسرنا القرآن عن الذكر فهل من مدكر؟ فالمناسب لصنعة العلم ان يكون القاؤها على هذا النحو سهلة ميسورة
3:40كي يسهل تحصيلها وتتمكن النفوس من تلقيها. واجدر ما تكون السماحة والسهولة مصدرة لمن كان متأهلا ممن حسن ادبه وجاد طلبه وعلم حرصه انه من لوحظت فيه هذه المعاني كان حقيقة بان يجتهد المعلم في تسهيل العبارة له وفي تلطيف
4:10على العلم حتى يقر في قلبه. وذكر المصنف رحمه الله تعالى من الملتحق بهذا ان يديم تحريضه على ضبط الفوائد وحفظ الفرائض. لان العلم اذا لم ينبه الى ما يضبط منه ويحفظ ربما
4:30ما لم ينتبه المتلقي الى جليل الفائدة. فان الطالب قد لا تكون له الة عظيمة يميز بها ما ينتفع به من العلوم فيحتاج الى تحريض معلمه على ضبط الفوائد وحفظ الفرائض. ولم يزل اهل العلم رحمهم الله تعالى
4:50اه يراعون هذا حتى في جمل الضوابط العلمية التي يذكرونها كما قال بعضهم في علم النحو يا طالبا خذ فائدة بعد اذا ما زائدة فهو اراد ان يوصل الفائدة المرجوة وهو ان ما اذا
5:10عقبة اذا فانها تكون زائدة فارشده الى ان هذه فائدة عظيمة. فقال له يا طالبا خذ فائدة بعد فاذا ما زائدة ولا يدخر عنه من انواع العلوم ما يسأله عنه وهو اهل له. لان ذلك ربما يحج الصدر وينفر القلب
5:30ويورث الوحشة اي النفرة في القلب بين الملقي والمتلقي. فاذا رأى المعلم ان الم تعلم متأهل لانواع من العلوم تصلح له فانه لا ينبغي له ان يحبسها اعن بل يفيض سيح علمه عليه. وان وجده غير متأهل لذلك فانه لا يلقي العلم اليه كما قال
6:00المصنف ولذلك لا يلقي اليه ما لم يتأهل له. والعلة في ذلك ما ذكره بقوله لان ذلك يبدد ذهنه ويفرق فهمه والمعلم مؤتمن في تعليمه. كما ان الام مؤتمنة في تغذية ولدها الصغير فهي
6:20بانواع المطاعم شيئا فشيئا حتى يقوى على عسيرها وكبيرها وشاقها فكذلك العلم ينبغي ان يلاحظ المعلم ان المتعلمين لا يمكن لهم ان يدركوا كل العلم دفعة واحدة. ولكنه يأخذه شيئا فشيئا ويلقنهم ما يصلح لهم حتى اذا وجد منهم من يرتقي الى ما فوق ذلك رقاه اليه. وان
6:50قاله احد لم يتأهل بعد الى هذه المنزلة فانه ينبغي له حفظا لنفسه ان يحفظ عنه هذا العلم فليس العلم كله كلام بل العلم منه سكوت كما بينه الشاطبي رحمه الله تعالى في كتاب الموافقات في صدر
7:10مقدماته وكان على ذلك اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كما في خبر وعائي ابي هريرة رضي الله عنه ولم يزل العلماء على هذا فان العلم انواع شتى ومسائل متفرقة وافهام الخلق متفاوتة
7:30هو الذي يلاحظ هذا فيعطي كل احد ما يصلح له. ويكون تلقينه لجمهور الخلق ما يكون موافق بمداركهم مدركا لعموم اذهانهم لان خلاف ذلك يوقعهم في خلاف مقصود الشريعة فان مقصود الشريعة
7:50من العلم تعبيد الخلق لله سبحانه وتعالى. واذا كان في هذا التعليم ما يحول بينهم وبين القيام بالعبودية لما يورثه ذلك من تشوش خواطرهم ونفرة نفوسهم واستصعاب ذلك على افهامهم كان اللائق عبودية لله
8:10سبحانه وتعالى هو حبس ذلك عنهم حتى يتأهلوا له. ثم قال رحمه الله تعالى مبينا ما يلحق بهذا قال فان سأله الطالب شيئا من ذلك لم يجبه ويعرفه ان ذلك يضره ولا ينفعه. فاذا ابتغى احد
8:30المتعلمين اجابة من شيخه عما حبسه عنه فانه يرشده الى ان هذا لا ينفعه بل ربما ضره وانه منعه اياه شفقة عليه لا بخلا عليه لا بخلا عنه ثم يرغبه عند ذلك بالاجتهاد والتحصيل
8:50يتأهل لذلك وغيره. ولما صار من المعلمين والمتعلمين من لا يعرف هذا الاصل صار المعلم يرى انه يجلس على كرسي الدرس فيلقي كل ما يعلم. ويرى المتعلم انه يجلس بين
9:10يديه وهو حقيق بان يلقي اليه المعلم كل ما يعلم وهذا من الجهل بما كان. فان الشريعة جاءت بملاحظة مدارك العقول وانتم تحفظون قول علي الذي رواه البخاري وغيره انه قال حدثوا الناس بما يعقلون اتريدون
9:30ان يكذب الله ورسوله فانها اذا القيت قوامض العلم ومشكلات الفهم على مدارك الناس لم اكثرهم فان الالف قيد وربما الف الناس حالا او مقالا فرأوه حقا فاذا القي اليهم خلاف
9:50شق ذلك عليهم. وربما ابتغوا مخالفته لاجل المخالفة. فان طبائع الناس متنوعة. وقد مر معنا من صغار المسائل حج الصلاة في لغة العرب فان المتقرر عند جمهور الناس ان الصلاة هي الدعاء
10:10بينما التحقيق ان الصلاة ليست الدعاء كما رد ذلك ابن القيم في بدائع الفوائد من اربعة وجوه وبينا ان المحققين فذكروا ان الصلاة هي معنى جامع للحنو والعطف. فهذه المسألة الصغيرة من عقول الناس من لا يدركها. فهو يرى
10:30ان ذلك خلاف المعروف المعهود في كلام اهل العلم وانه قول جديد وشغب بما شغب لان عقله لا يقبل مثل هذا ولابد ان يلاحظ الانسان انه اذا القى مثل هذه المسائل ينبغي ان يقرنها بمن قال ذلك من المحققين كابي بكر سهيل
10:50وابي عبد الله ابن القيم وابي عبد الله ابي محمد ابن هشام رحمهم الله تعالى. فما بالك بمسائل اغمض واصعب في باب العقيدة او التفسير او الحديث او الفقه لان مدارك الناس في العموم الاغلب لم تترقى الى العلم المحقق. فان العلم المحقق قليل في
11:10ناس والناس درجوا على اخذ العلم بالكم لا بالكيف. فان احدهم يقرأ كتابا كاملا. لكن اذا حققته في صواب فهم من خطأه وجدت ان صواب فهمه قليل. وهذا من الاقتراظ بالكم. والحرص على مجرد ظم الكتب وحظور الدروس
11:30دون عناية بتحقيق المسائل وسبل غورها وفهم مداركها. والعلم انما هو الفهم والادراك. ولهذا قال الحفاظ رحمهم الله تعالى في نعت حقيقة الحفظ عند المحدثين قالوا الحفظ الفهم. ولم يقولوا ان الحفظ هو ظبط الالفاظ
11:50وانما جعلوا الحفظ الفهم يعني فهم علل الاحاديث لانها هي المراد الاكبر من جمع الاسانيد وحفظها ومعرفة مراتب الرجال الجرحا وتعديلا ولقاءا وانقطاعا وسماعا ورواية فان هذا هو حقيقة علم الحديث. واما مجرد من يحفظ الاسانيد والاطلاع
12:10على العلل ولا مهارة له فيها فانه قليل الفهم والمعرفة عندهم فلا يستحق اسم الحافظ لديهم. ثم ذكر رحمه الله تعالى ما يحقق هذا المعنى بما قد روي في تفسير الرباني الذي امر به في قول الله تعالى
12:30كونوا ربانيين فقد ذكر ما ذكره البخاري في في صحيحه قال وقيل الرباني انه الذي الناس بصغار العلم قبل كباره. فهذا المعنى ذكره البخاري معلقا في صحيحه ولم يعزه الى احد ولا
12:50رواه ولا خرجه ابن حجر في تغليق التعليق فكأنه من كلام البخاري رحمه الله تعالى وعزاه القرطبي في الى ابن عباس وهو غلط عليه. فان ابن عباس انما ذكر في تفسير هذه الاية ما علقه البخاري قال حكماء فقهاء
13:10ولم يقل ابن عباس رضي الله عنه الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره وانما هو كلام اورده البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه وهذا المعنى الذي ذكر في الرباني انه الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره يعني الذي
13:30فيما يلقي اليهم من العلم المتمر للعمل فيربيهم بصغار العلم قبل كباره. وهذا القول على الصحيح معدول عنه فالصحيح ان الرباني مشتق من ربان السفينة وهو قائدها والمعنى الذي اي يسوس الناس فيما يصلحهم فهذا هو معنى الرباني اي الذي يسوس الناس فيما يصلحهم علما وعملا
14:00دعوة وارشادا واصلاحا. وقد اختار هذا المعنى ابن جرير الطبري في تفسيره. ونصره ابو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى من وجوه عدة في رسالة مفردة طبعت في مجموع الرسائل الذي طبع باخرة. وهذا هذه المرتبة العظيمة وهي مرتبة
14:20رباني مردها كما ذكر المحققون الى سياسة الخلق في اصلاحهم. والشافعي رحمه الله تعالى يقول سياسة اشق من سياسة الدواب ومن جملة السياسة التي يحتاجها الناس سياستهم في العلم ومن جملة سياستهم في العلم
14:40ان يبتدأ الانسان في تعليمهم بالمهمات فان الانسان ينبغي له ان يحفظ زهرة عمره فان العمر قد لا يتسع لكل الخلق في التعلم ولكن يتسع لبعضهم دون بعض. ويتسع لجمهورهم في اول عمره. فينبغي ان يعمر اول عمره
15:00بما ينفعه من المهمات فيشتغل بتعلم المهمات التي يحتاج اليها في دينه في اعتقاده وطهارته وصلاته معرفته بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وسيرته ومهمات تفسير القرآن الكريم. هذا هو العلم الذي ينبغي ان يجمع الانسان نفسه
15:20عليه فالعلم لا يطلب لذاته وانما يطلب كي يقرب الى الله سبحانه وتعالى وانما ينفعك منه ما في التقرب بعبوديتك الى الله سبحانه وتعالى. فمن السفاهة بمكان ان يحضر طالب العلم درسا في المصطلح او النحو
15:40او الاصول وهو لم يدري وهو لم يدرس ما يلزمه من الاعتقاد والفقه والاحكام ومعرفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم لما كان المعلمون يعرفون حقيقة هذه الامانة كانوا لا يسمحون بمثل هذا وانما كانوا يدرجون الطلبة كل
16:00بلدك فيحملونهم على جادة للعلم يتعلم فيها المتعلم اهم ما ينبغي ان يلزمه في عبادته ثم اذا فرغ منه ترقى الى غيره ثم اذا فرغ منه ترقى الى غيره فكانوا يسألون الطالب ماذا قرأت؟ وماذا درست؟ وماذا حصلت
16:20حتى اذا اطلعوا على حقيقة حاله رقوه الى ما ينبغي ان يكون عليه. وان وجدوه لم يتعلم شيئا من قبل. ابتدأوه بما يحسن ان يتعلمه ومنعوه مما لا يحسن به ان يتعلمه. فانتفع الناس من العلم وكان للعلم اثر في العمل
16:40معرفة بدين الله عز وجل. ولما ضعف هذا الاصل صار الناس منسوبين الى العلم وهم في الحقيقة على فتجد احدهم ربما ارتقى مرتبة عظيمة في اصول الفقه او في مصطلح الحديث او غيرها من العلوم الالية وهو يجهل ما
17:00يلزمه في الاعتقاد في حق الله سبحانه وتعالى او فيما يتعبد به لله سبحانه وتعالى في صلاته او صيامه وكل هذا من الجهل بحقيقة العلم. وينبغي يا طالب العلم ان تعلم ان العلم عبادة تتقرب بها الى الله سبحانه وتعالى. وان
17:20احفظوا ان الاصابة والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم شرط في قبول العمل. كما قال حافظ الحكم رحمه الله تعالى في سلم الوصول شرط قبول شرط قبول شرط قبول السعي ان يجتمع
17:40فيه اصابة واخلاص مع ومن المتابعة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم في العلم ان تحرص على تعلم ما مما تتقرب به الى الله سبحانه وتعالى قبل كل شيء. نعم. احسن الله اليكم. قال السادس
18:00تعليمه وتفهيمه ببذل جهده وتقريب المعنى له من غير اكثار لا يحتمله ذهنه او بسطا لا يضبطه حفظه ويوضحه لمتوقفي الذهن العبارة ويحتسب اعادة الشرح له وتكراره. ويبدأ بتصوير المسائل ثم يوضحها
18:20وذكر الدلائل ويقتصر على تصوير المسألة وتمثيلها لمن لم يتأهل لفهم مأخذها ودليلها ويذكر الادلة والمأخذ يكتملها ويبين له معاني اسرار حكمها وعليها. وما يتعلق بتلك المسألة من فرع واصل ومن وهم فيها في حكم
18:40او تخريج او نقل بعبارة حسنة الاداء بعيدة عن تنقيص احد من العلماء. ويقصد ببيان ذلك الوهم طريق النصيحة وتعريف النقول الصحيحة. ويذكر ما يشابه تلك المسألة ويناسبها وما يفارقها ويقاربها. ويبين مأخذ
19:00والفرق بين المسألتين ولا يمتنع من ذكر يقظة يستحيا من ذكرها عادة اذا احتيج اليها ولم يتم التوضيح الا بذكرها فان كانت فان كانت الكناية تفيد معناها وتحصل مقتضاها تحصيلا بينا لم يصرح بذكرها بل يكتفي
19:20عنها وكذلك اذا كان في المجلس من لا يليق ذكرها بحضوره لحيائه او لجفائه فيكني عن تلك اللفظة بغيرها ولهذه المعاني واختلاف الحال والله اعلم. ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم التصريح تارة والكناية
19:40واخرى ذكر المصنف رحمه الله تعالى ادبا اخر من اداب العالم في درسه وحلقته وهو وان يحرص على تعليم المتعلمين وتقييمهم. وان يبذل جهده جهده في تقريب المعاني لهم. لان العلم
20:00عبادة وكما يجتهد المرء في اتقان صلاته التي يتقرب بها الى ربه سبحانه وتعالى فينبغي له ان يجتهد في احسان تعليمه فان العلم صلاة القلب كما قال المصنف رحمه الله تعالى. فينبغي له ان يجتهد في تخير الالفاظ
20:20الموصلة للمعاني المرادة من غير اكثار لا تحتمله الاذهان ولا بسط لا يؤدي الى ضبط ما ينبغي حفظه مما يلقيه اليهم فان العلم لا يمدح بالبسط والاتساع وانما يمدح بالنفع والانتفاع ولهذا
20:40عظم قدر المتون المختصرة فوق كثير من الكتب المطولة لما فيها من النفع والانتفاع فان البسط والاتساع لا يتهيأ ان يستفيد منه كل احد وانما يستفيد منه احاد من الخلق ممن عظم فهمه وقوي
21:00قبره وجلده على العلم فيستفيد من ذلك. واما عموم الخلق فانما ينتفعون بما يكون واضحا جليا بينا سهلا مناسبا لمداركهم وفهومهم. ومما يدخل في جملة الحرص على التعليم والتفهيم ان يوضح
21:20المتعلم العبارة لمتوقف الذهن. فان الناس باعتبار قوة اذهانهم نوعان اثنان. احدهما متوقد الذهن والاخر متوقف الذهن. فمتوقد الذهن هو الذي يقبل ما يلقى اليه ويفهمه سريعا متوقف الدين فهو بطيء الفهم الذي يحتاج الى تحريك ذهنه لاعادة المعنى عليه مرة بعد مرة او
21:50تصوير المسألة او ظرب امثلتها حتى يتهيأ له فهمها. فينبغي ان يلاحظ المعلم من كان على هذه الحال من توقف وفي ذهنه فيوضح له العبارة ويحتسب تقربا عند الله سبحانه وتعالى اعادة الشرح له وتكراره فان المقصود
22:10من التعليم هو ايصال الخير الى الخلق. فاذا كان هذا الايصال يقتضي اعادة وتكرارا كان ذلك مأمورا به ما فيه من مزيد القربة الى الله سبحانه وتعالى. ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى ما ينبغي ان يكون عليه المعلم
22:30في ابتغائه حسن التعليم فقال ويبدأ بتصوير المسائل اي ببيانها فان مبتدأ العلوم هو تصور المسائل فادراك المفردات التي بنيت عليها العلوم هو المطلب الاعظم في العلم. ولذلك فان اول ما
22:50واليك من العلم كما ينبغي هو تصوير المسألة سواء كان في العلوم الاصلية كالفقه والعقيدة والحديث والفقه او في العلوم الالية فان الانسان اذا تصور الشيء سهل عليه بعد ان يعرف دليله ومأخذ هذا الدليل
23:10منه والرد على مخالفه. اما اذا لم يتصور المسألة فانه لا ينتفع بما بعد ذلك. واذا اهمل هذا الاصل وهو تصوير المسائل وصرفت قوى المتعلمين الى غيره اضر بهم. ومن ظواهر هذا في حال الناس ولعوهم
23:30ما يسمى بالراجح فان الراجح شيء زائد عن تصوير المسائل فهم يضيعون ما ينبغي من معرفة المسائل كما هي ويتعلقون بما وراء ذلك. فيعرفون راجحا لا يحسنون انزاله على المسألة التي علق
23:50وبها لانهم لم يتصوروا المسائل. وقد مر معنا كلمة في الواسطية وهي قول مصنفها رحمه الله تعالى وقد جمع سبحانه وتعالى فيما وصف وسمى به نفسه بين الجمع والاثبات. فان هذه الجملة لم يتصورها لم يتصورها
24:10اكثر شراح الواسطية فضلا عن متلقيها. ان اقول ذلك تعديا ولا جورا ولكن من رجع الى اكثر شروح الواسطية لم يجدهم ذكروا معنى النفي في الاسماء فان المصنف بين ان النفي يتسلط على الاسماء كما يتسلط على الصفات. فقال وقد جمع
24:30فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والاثبات فكما يكون في الصفات شيء منفي وشيء مثبت فكذلك في اسماء شيء منفي وشيء مثبت. لكن لما غودرت العناية بتصوير المسائل عجب علم هذا عن الناس
24:50فصارت هذه المسألة غريبة مع كونها منصوصة في هذا الكتاب على المعنى الذي وضحناه في شرحها لكن المقصود ان عرف ان اهم ما ينبغي ان تعتني به في تلقيك هو تصوير المسائل. ولذلك قال المصنف ويبدأ بتصوير المسائل
25:10ثم وهذا انتقال الى مرتبة ثانية قال ثم يوضحها بالامثلة وذكر الدلائل اي يوضح المسألة المصورة بالامثلة ويذكر الادلة عليها. ثم قال ويقتصر على تصوير المسألة وتمثيلها من لم يتأهل لفهم مأخذها ودليلها وهذا هو حال المبتدئين. فان المناسب للمبتدئين هو تصوير
25:40المسائل فحسب وقد ذكرت لكم في مجلس سابق ان اهل العلم جعلوا طالبه على ثلاث مراتب المرتبة الاولى مرتبة المبتدئ وهو الذي يتصور المسألة. والمرتبة الثانية مرتبة المتوسط وهو الذي
26:00يتصور المسألة ويعرف دليلها. والمرتبة الثالثة مرتبة المنتهي وهو الذي يتصور المسألة ويعرف دليلها ويمكنه الرد على المخالفين لهذا القول. فاول ما ينبغي ان يعتني به الطالب وان يشتغل بتصوير المسألة بتصور المسألة واولى ما ينبغي ان يعتني به المعلم في حق المبتدئين هو تصوير المسائل
26:30ولذلك قال المصنف ويقتصر على تصوير المسألة وتمثيلها لمن لم يتأهل لفهم مأخذها ودليلها. وهذا هو السر في تجريد النفوس على الامر الاعظم لان فهم المعقل والدليل امر ارفع من مجرد التصور فاذا جرد
26:50النفوس على المطلب الادنى ادركته. قال ويذكر الادلة والمأخذ لمحتملها لعلها ويذكر الادلة والمآخذ لمحتملها. ويبين له معاني اسرار حكمها وعللها. اي اذا ارتقى طالب العلم الى فهم المسألة وتصورها تصورا صحيحا فحين ذاك يليق بعد ان يذكر له الادلة وان
27:22فسر له مأخذ الدلالة منها وان يبين له معاني اسرار حكمها وعللها وما يتعلق بتلك المسألة من فرع واصل ومن وهم اي خطأ فيها في حكم او تخريج او نقل بعبارة حسنة الاداء بعيدة عن تنقيص احد من
27:42ان يعتني ببيان ما زاد عن تصوير المسألة من الادلة والمآخذ بذكر ما يتعلق بالمسألة من فرع او اواسط او وهم وقع فيه احد ولكنه ينبغي ان يحرص على التماس عبارة حسنة الاداء في بيان غلط غيره
28:02عيدا عن تنقص احد من العلماء لان العلم لا يقوم الا بالادب. ومن ظن انه يدرك العلم بلا ادب انه لا يحصله سواء كان معلما او متعلما. ومن الادب حسن التلطف في العبارات المؤدية الى
28:22بيان الاخطاء دون تعرض الى المخطئين من العلماء الصادقين. فان العالم كغيره من البشر عرظة للسهو والخطر والنسيان فاذا زل او غلط في مسألة فان اللائق هو ان يلتمس الانسان عبارة لطيفة في بيان
28:42خطأه وهذا اللسان وهو لسان العلم له قوانين واداب مبثوثة في كلام اهل العلم فان اهل العلم ولا سيما من صنف في الفقه اختاروا عبارات كقولهم والاظهر او قولهم والاصح او قول
29:02فان قيل او قولهم فان يقال فانهم يفرقون بين هذه العبارات باعتبار ما يكتنفها من وهذا اللسان كلامهم فيه متفرق وللنووي رحمه الله تعالى في مقدمة المجموع نزر حسن من بيان جملة من هذه
29:22المعاني وهي محتاجة الى ناهض ينهض بجمعها. لان لسان العلم قد تلوث اليوم بين طائفتين اثنتين احداهما طائفة منسوبة الى العلم لكنه داخلها بعض الدعاوى التي تسمى بتجديد الخطاب الديني
29:42ادخلوا في العلم عبارات وجمل اجنبية عنه لا مدخل لها فيه. فاضروا بلسان العلم. والطائفة الثانية اجنبية عن العلم اصلا من المثقفين والمفكرين والصحفيين صاروا يتكلمون في مسائل العلم بلسانهم الصحفي
30:02افسدوا لغة العلم لسان العلم الى حفظ وينبغي ان يحرص طالب العلم على ان يكون لسانه هو لسان اهل العلم فانك اذا هجرت لسان اهل العلم فانت ناقص النسبة لهم وان كنت متزيا بزيهم ودارسا
30:22فان لم يكن لسانك لسانهم فلا ينبغي ان تكون منهم على الجملة والتفصيل وانما انت في عموم اغمارهم واما من شرف لسانه بمعرفة لسان اهل العلم المشتمل على العفة والصيانة وحسن الادب واختيار
30:42فاظي المعبرة عن الحق فهذا هو المنسوب الى العلم حقيقة. ولذلك فان الذي يعرف عفة اهل العلم يشق عليه ان يقول عن قول الجمهور مثلا وهذا قول باطل او يقول عن حديث اختلف اهل العلم في تصحيحه وتضعيفه هذا
31:02حديث على وجه الارض فان مثل ذلك لا يليق قوله لانه في جناب علماء وقد يكون لهم من الصلاح والولاية والسبق عند الله سبحانه وتعالى ما ليس لك. كما قال ابن ابي حاتم رحمه الله تعالى لما قرأ عليه كتابه الجرح والتعديل
31:22في اخر عمره فبكى بكاء شديدا وقال انا لنتكلم في قوم لعلهم حطوا رواحلهم في الجنة. والمرء اذا تكلم في مسألة من سائر العلم قد تكلم فيها من سبقه فليعلم انه بجناب اولئك لا شيء. وان هؤلاء السابقين
31:42قد ادركوا منازل عظيمة من الولاية والصلاح والقرب من الله سبحانه وتعالى. فليست المفاضلة في العلم في الصورة الظاهرة بحفظ المعلومات وسرد المنقولات وبيان الراجح والمرجوحات. ولكن حقيقة العلم هو ما يشتمل عليه القلب من القرب الى الله سبحانه
32:02وتعالى والاقبال اليه وكمال التعبد والمحبة له سبحانه وتعالى. وهذا معنى قد يفصح عنه اللسان بالبيان ولكن لا يوجد في تنال فيحتاج الى جهاد وجهاد حتى تصل الى الى مراتب اولئك فكيف يليق بعد ان يكون لسانك مستهجنا
32:22في مخاطبتهم بما تذكره ازاء اقوالهم رحمهم الله تعالى. ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى انه اذا بين خطأ من اخطاء من سبق فينبغي له ان يقصد ببيان ذلك الخطأ طريق النصيحة وتعريف النقود الصحيحة وان يذكر ما يشابه تلك المسألة ويناسبها
32:42وما يفارقها ويقاربها ويبين مأخذ الحكمين والفرق بين المسألتين لان هذا من حسن التعليم. لان من اهم مآخذ العلم في الفقه كما سبق الجمع والفرق كما قيل لعبد الحق السنباطي رحمه الله تعالى احد علماء الشافعية ما الفقه؟ فقال الجمع والفرط
33:02الجمع بين المسائل المتشابهة والتفريق بين المسائل المختلفة. فمثلا الممسوحات في الشريعة انواع كالمسح الجورب او الخف او الجبيرة او رأس اليتيم او غيرها من الممسوحات. وهي تشترك في قدر ما من المسائل كاصل
33:22الحكم مثلا وهو المسح لكنها تختلف في فروع تتعلق بهذه المسألة فينبغي ان يراعي الانسان هذا في تفقيهه بان يراعي مأخذ الحكمين والفرق بين المسألتين. ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى من ادب التعليم ان لا
33:42المعلم من ذكر لفظة يستحيا من ذكرها عادة اذا احتيج اليها ولم يتم التوضيح ولم يتم التوضيح الا بذكرها فان كانت الكناية تفيد معناها وتحصل مقتضاها تحصيلا بينا لم يصرح بذكرها بل يكتفي بالكناية عنها. لان
34:02مبنية على الادب. والقرآن الكريم مني بالالفاظ التي عدل بها عن ظواهر قريبة عن ظواهر وقريبة الى الفاظ اخرى تأدبا. كما قال سبحانه وتعالى احل لكم ليلة الصيام الرفث الى نسائكم. ثم
34:22بين الله سبحانه وتعالى وجه ذلك فقال هن لباس لكم وانتم لباس لهن. والمراد ملابسة الافظاء بالجماع ولكن التأدب في خطاب القرآن حمل على هذا وهذا هو الذي ينبغي في صنعة العلم ان يلزم الانسان التأدب بالكناية
34:42وان يترك ما لا يحتاج ما لا يحتاج اليه من الالفاظ التي يستحيا منها. ويتأكد ذلك اذا كان في المجلس الا يليق ذكر ذلك اللفظ بحضوره لحيائه او لجفائه. فان من الناس من ينبغي ان تحبس بعض اللفظ عنه اما
35:02ممن يستحي او لكونه جافيا ربما اذا تكلمت بكلمة صريحة جعلها مدخلا كلمات قبيحة فلا بد ان تراعي حال هذا وحال هذا. ثم قال المصنف رحمه الله تعالى ولهذه المعاني واختلاف الحال والله اعلم ورد في
35:22النبي صلى الله عليه وسلم التصريح تارة والكناية تارة اخرى اي ان النبي صلى الله عليه وسلم كان ربما صرح بما يستقبح كما في حديث ماعز وربما كن عنه صلى الله عليه وسلم ملاحظة للحال وهذا هو الذي ينبغي فيلاحظ
35:42الانسان هذا في امر تعليمه خاصة وفي امر كلامه عامة وهذا اخر التقرير على هذا الكتاب