المعقد الثالث: جمع همة النفس عليه | برنامج تمكين مهمات العلم
0:00قلتم احسن الله اليكم المعقد الثالث جمع همة النفس عليه فان شعث النفس اذا جمع على العلم التئم واجتمع واذا شغل به وبغيره ازداد تفرقا وشتاتا. وانما تجمع الهمة على المطلوب بتفقد ثلاثة امور. اولها الحرص على ما
0:20فمتى وفق العبد الى ما ينفعه حرص عليه. ثانيا الاستعانة بالله عز وجل في تحصيله اذا لم يكن عون من الله الفتى فاول ما يجني عليه اجتهاده. ثالثها عدم العجز عن بلوغ البغية منه. وقد جمعت هذه الامور الثلاثة
0:40في الحديث الذي رواه مسلم بن الحجاج قال حدثنا ابو بكر بن ابي شيبة وابن نمير قال حدثنا عبد الله بن ادريس عن ربيعة بن عثمان عن محمد ابن يحيى ابن حبان عن ابي هريرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال احرص على ما ينفعك
1:00بالله ولا تعجز فمن اراد جمع همته على العلم فليشعر في نفسه شعلة الحرص عليه لانه ينفعه. بل كل خير خير في الدنيا والاخرة انما هو ثمرة من ثمار العلم. وليستعن بالله عليه ولا يعجز عن شيء منه. فانه حينئذ
1:20يدرك بغيته ويفوز بما امله. قال الجنيد ما طلب احد شيئا بجد وصدق الا ناله فان لم يله كله نال بعضه الجد بالجد والحرمان بالكسل فانصبت صبعا قريب غاية الامل. فانهض بهمتك واستيقظ من الغفلة فان
1:40ان العبد اذا رزق همة عالية فتحت له ابواب الخيرات وتسابقت اليه المسرات. قال ابن القيم في كتابه فوائد اذا طلع نجم الهمة في ظلام ليل البطالة وردفه قمر العزيمة اشرقت ارض القلب بنور ربها
2:00ومن تعلقت همته بمطعم او ملبس او مأكل او مشرب لم يشم رائحة النعيم. واعلم بان العلم ليس يناله من همه في مطعم وملبسي فاحرص لتبلغ فيه حظا وافرا واهجر له طيب المنام وغرسيه. وان مما يعلن الهمة
2:20بالنفس اعتبار حال من سبق وتعرف همم القوم الماضين. فابو عبد الله احمد بن حنبل كان هو في الصبا ربما اراد الخروج قبل الفجر احلق الشيوخ فتأخذ امه بثيابه وتقول رحمة به. حتى يؤذن الناس او يصبحوا. وقرأ الخطيب البغدادي صحيح البخاري كله على
2:40اسماعيل الحيري في ثلاثة مجالس اثنان منها في ليلتين من وقت صلاة المغرب الى صلاة الفجر. واليوم الثالث من ضحوة النهار الى صلاة المغرب ومن المغرب طلوع الفجر قال الذهبي في تاريخ الاسلام وهذا شيء لا اعلم احدا في زماننا يستطيعه. رحم الله ابا عبد
3:00كيف لو رأى همم اهل هذا الزمان ماذا يقول؟ وكان ابو محمد ابن التبان اول ابتدائه يدرس كله فكانت امه ترحمه وتنهاه عن القراءة بالليل فكان يأخذ المصباح ويجعله تحت الجفنة شيء من الانية العظيمة ويتظاهر بالنوم
3:20فاذا رقدت اخرج المصباح واقبل على الدرس وقد رأيت في بعض المجموعات الخطية في مكتبة نجدية خاصة مما ينسب الى عبدالرحمن ابن ال الشيخ صاحب فتح المجيد قوله شمل الى طلب العلوم ذيولى وانهض لذلك بكرة واصيلا. وصل
3:40وكن هديت مباحثا فالعيب عندي ان تكون جهولا. فكن رجلا رجله على الثرى ثابتة. وهامة فوق الثريا سامقة ولا تكن شاب البدن اشيب الهمة فان همة الصادق لا تشيب. كان ابو الوفاء ابن عقيل
4:00احد اذكياء العالم من فقهاء الحنابلة انشد وهو في الثمانين. ما شاب عزمي ولا حزمي ولا خلقي ولا ولائي ولا ديني ولا كرم وانما اعتاد شعري غير صبغته. والشيب في الشعر غير الشيب في الهمم. ذكر المصنف هو
4:20وفقه الله المعقد الثالث من معاقد تعظيم العلم وهو جمع همة النفس عليه. اي جمع همة النفس على العلم بان يتوجه اليه بارادته كلها فلا يشتغل بغيره. وذكر النشعة العلم اي
4:40والرقاء اذا جمع على العلم التأم واجتمع. فينال المرء بغيته من العلم اذا جمع همته عليه واذا شغلت النفس بالعلم وغيره فانها تزداد تفرقا وشتاتا. ثم ذكر ان جمع الهمة على
5:00المطلوب يكون بتطلب ثلاثة امور. اولها الحرص على ما ينفع. وثانيها الاستعانة بالله في اي في تحصيل ذلك النافع. وثالثها عدم العجز عن بلوغ البغية منه. اي بان لا يتقاعد العبد عن ادراك ما يؤمله ويرجوه من مطلوب ينفعه. وذكر في تانيها وهو
5:30الاستعانة بالله قول الاول اذا لم يكن من الله عون للفتى فاول ما يجني عليه اجتهاده. اي اذا لم يصحب المرء بعون من الله سبحانه وتعالى فان اول شيء يرديه ويهلكه هو اجتهاده باغتراره بما له
5:50القوى فان من الناس من تغره قوته العلمية او العملية فتحجبه عن طلب العون والمدد من الله سبحانه وتعالى. ثم ذكر ان هذه الامور الثلاثة جمعت في حديث ابي هريرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله
6:10عليه وسلم قال احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز. بكسر الجيم وتفتح ايضا فجمل الحديث الثلاث دالة على هذه الامور الثلاثة واحدا واحدا. ثم ذكر ان من اراد جمع همته على العلم
6:30فليشعل في نفسه شعلة الحرص عليه لانه ينفعه. بل كل خير في الدنيا والاخرة انما هو ثمرة من ثمرات العلم فالعلم اصل كل خير ذكره القرار في فالعلم اصل كل خير ذكره
6:50القرافي في الفروق ثم قال في الحث عليه وليستعن بالله عليه ولا يعجز عن شيء منه فانه حينئذ يدرك وبغيته ويفوز بما امله. وذكر من كلام الجنيد والشعر الحسن ما يقوي النفس في هذا
7:10ثم قال فانهض بهمتك واستيقظ من الغفلة فان العبد اذا رزق همة عالية فتحت له ابواب الخيرات تسابقت اليه المسرات وذكر كلام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب الفوائد في تقرير هذا المعنى. ثم ذكر من احوال
7:30الاوائل وهمم القوم الماضيين ما يحرك العبد الى محاذاتهم. والاقتداء بهم. فذكر ما كان عليه احمد بن حنبل رحمه الله في حال الصبا. ابان كونه صغيرا انه ربما اراد الخروج قبل الفجر
7:50الى حلق الشيوخ فتأخذ امه بثيابه رحمة به وشفقة عليه وتقول حتى يؤذن الناس او يصبح اي امسك عن الخروج حتى يؤذن الناس لصلاة الفجر او يستبين الصبح قريبا من وقت الفجر
8:10ثم تخرج الى حلق الشيوخ ثم ذكر الحال التي اتفقت لابي بكر الخطيب من قراءة صحيح البخاري كله على اسماعيل الحين في ثلاثة مجالس على ان دعت المذكور في وصفها. وهذه الحال التي اتفقت له مما يستبعد
8:30وقوعه ضعاف الهمم فانهم يرون ان هذا الامر الذي ينسب الى الخطيب درب من الخيال يكذبه فان الخطيب نفسه اخبر عن ذلك في تاريخ بغداد في ترجمة شيخه اسماعيل الحيري انه اتفق
8:50وله صحبته وقراءة البخاري عليه في ثلاثة مجالس وهذا امر يدل على علو الهمة عظم محبة العلم والشغف به. وان هذه المحبة لما استولت على القلب امدته بقوة ظاهرة من الصبر على
9:10علم والبقاء عليه مدة طويلة. ثم ذكر كلام الذهب في قلة هذا في الناس وانه يعز وجوده فيهم ولا يراد بهذا الكلام ولا ما كان من جنسه القطع بامتناع ذلك. وانما الاعلام
9:30بعسره وصعوبته فان الحالة التي اتفقت لابي بكر الخطيب مما يعسر ويصعب لكنها ليست مما يمتنع فان يشتركون في قدرهم على الافعال. ويفترقون فيما يمدون به من معونة الله سبحانه وتعالى
9:50وقد يجعل الله عز وجل للمتأخر ما جعله للمتقدم او اكثر. وقد ذكر ابن طولون في الفهرس الاوسط انه اراد محاذاة الخطيب فصنع مثل صنعه وقرأ صحيح البخاري على احد شيوخه في المدة
10:10التي قرأها فيها الخطيب على شيخه اسماعيل الحيري. فهذه الامور التي يذكرها من يذكرها من اهل العلم لا يراد بها امتناع تكرار وقوع مثل ذلك او ما هو اعظم منه. وانما المراد بيان عسره وصعوبته. وان العبد
10:30يحتاج الى امر عظيم لبلوغ تلك الحال. وسر تلك الحال هو الكمالات الباطنة. فان الكمالات الباطنة هي التي تمد العبد بقوة ظاهرة فيصير له من القدرة على الشيء ما ليس لغيره. وهي الكمالات التي
10:50بها سلفنا فتقرأ في اخبارهم وسير احوالهم ما يظنه بعض الناس ضربا من الخيال من كثرة الذكر او قراءة القرآن او ادامة الصلاة او صبر الايام المتطاولة فيتمادى من ويزعم ان هذا وان صحت اسانيده الا ان العقل لا يقبله. وصدق وكذب. فاما صدقه فان العقل
11:20الظاهر الذي لا يستند الى خبر الشرع ولا الى الاسانيد الصحيحة يتوهم مثل ذلك. واما كذب فان العارفين بالكمالات الباطلة مما جاء في الكتاب والسنة بيقين يقطعون بان العبد يكون له من المدد
11:40والاعانة والقوة على ما يريده مما لم يكن له من قبل او لا يكون لغيره ايضا. فيجعل الله عز وجل له قدرة على قراءة القرآن او على حفظ العلم او على تعلمه او على تعليمه بحسب ما صار له
12:00من الكمالات الباطنة. فاصل مدار الامر في تفاوت حال من سبق عن حالنا انه كان لهم من الكمالات ما استدعى لهم عونا ومددا من الله لا نحظى به. فتجد احدهم يمد بجلوسه
12:20قوة من الفجر الى مغيب الشمس. ولا يقدر احدنا على ان يجلس ساعات معدودات. مع ان البدن واحد فهذا انسان وانت انسان. ولكن الفرق في الكمالات الباطلة. فهذا له من الكمالات الباطنة. من الشوق الى الله والانس
12:40به ومحبة رضاه وارادة ما عنده ما ليس لاحدنا. فيكون له من القوة ما لا يكون لاحدنا من القوى. ثم ذكر من احوال الاوائل ايضا حال ابي محمد ابن التبان انه كان يفعل ما يفعل من دراسته الليلة كله. وكانت امه تشفق عليه وتنهاه
13:00فكان يأخذ المصباح ويجعله تحت الجفنة وهي انية عظيمة ويتظاهر بالنوم اي يظهر لها كأنه نام فاذا وقدت اخرج المصباح واقبل على الدرس ثم ذكر بيتين مريحين في الحث على الجد والاجتهاد ينسبان الى
13:20عبدالرحمن بن حسن ال الشيخ صاحب فتح المجيد انه قال شمر الى طلب العلوم ذيولا وانهض لذلك بكرة واصيلا السؤال وكن هديت مباعدا فالعيب عندي ان تكون جهولا ثم قال فكن رجلا رجله على الثرى اي في الارض وهامة
13:40همته فوق الثريا وهو نجم معروف عند العرب. ثم قال ولا تكن شاب البدن اشيب الهمة فان همة الصادق لا تشيب اي لا تكن ممن حاله في بدنه الشباب. واما في همته فحاله
14:00وعلله بقوله فان همة الصادق لا تشيب. فاذا صدق المرء في طلال ما يؤمله ويريده صار له من الهمة ما يعينه على اقامة بدنه على مطلوبه. وان كان في الصورة الظاهرة
14:20اشيب البدن لكن همته الباطنة كانها في سن الشباب. وقوله اشيب الهمة الاشيب وصف للرجل اذا خالطه الشيء الاشيب وصف للرجل اذا خالطه الشيب ولا قالوا له شايب في اصح قولي اهل اللغة ولا يقال له شايب في اصح قولي اهل اللغة. والمراد ان من الناس
14:50من يكون اشيب الهمة مع كونه في سن الشباب. ومن الناس من يكون شاب الهمة مع كونه في سن الشيب. فمدار الامر على كون الهمة شابة. فاذا كانت الهمة شابة حملت البدن
15:10ولو كان ضعيفا خير القوى على طلب ما ينفعه. فترى في ابناء الستين والسبعين والثمانين من الحرص على ما ينفعهم ومن جملته العلم ما لا تراه عند كثير من الشباب الذين لهم من القوة في ابدانهم ما ليس
15:30اولئك لكن هؤلاء مع كون ابدانهم صحيحة قوية الا ان هممهم ضعيفة مريضة فمدار الامر على الهمة فاذا قويت الهمة قوي البدن على طلب ما ينفعه. ثم ذكر بيتين مليحين لابي الوفاء ابن عقيل كان ينشدهما
15:50وهو ابن ثمانين سنة فيقول ما شاب عزمي ولا حزمي ولا خلقي ولا ولائي ولا ديني ولا كرمي انما اعتاض شعري غير صبغته والشيب في الشعر غير الشيب في الهمم. اي كون الانسان اشيب في صورته
16:10هو غير كونه اشيب في صورته الباطنة. فان البلية في كون الهمة الباطنة في حال غيبوبة وذلك اشد اذا كان هذا في حال الشباب في الصورة الظاهرة. فاذا كان الانسان شابا لا يحتمل ان
16:30يجلس الساعة والساعتين ولا يقوى على قراءة الصفحة والصفحتين. ولا يعتني بطلب ما ينفعه عجزوا عنه فان هذا مريض الهمة. وينبغي ان يحرص على مداواة نفسه. والا فانه يعجز عن ذلك. ولهذا
16:50اكان السلف يسوسون انفسهم باصلاحها في سن الشباب. لان من اعتاد شيئا لزمه وان ضعف بدنه عنه قالت حفصة بنت سيرين يا معشر الشباب عليكم بالعبادة فانما العبادة في الشباب اي ان مبتدأ
17:10ما يراد من العبادات الكاملة انما يبقى مع المرء اذا كبرت سنه اذا كان حريصا عليه في شبابه عليه ولو كان كبيرا لاعتياده له اذ صاره ولذته وبغيته ومحبته فيكون له من القوة عليه في باطنه
17:30ما لا يكون لغيره وترى من الناس من يسوف ويقول اذا صرت كبيرا في السن استكثر من الذكر وقراءة القرآن وصلاة فاذا صار في سن الكبر لم يقدر على ذلك لانه لم يعتد هذا في شبابه فصارت همته الباطنة عاجزة
17:50عن ذلك واما من كان حريصا على ذلك في شبابه فانه يبقى على ذلك لان همته اعتادت تلك الحال. وتجد هذا صدقا في احوال الناس في العلم والعبادة وغيرها ان منهم من كبار السن من له قوى في تلك الاعمال وانواع العلوم لا تكون
18:10لاولئك الشباب الذين يريدون مزاحمتهم. نعم