12 - الحديث الثاني عشر من كتاب بهجة قلوب الأبرار للشيخ السعدي - مشروع كبار العلماء
0:02المكتبة الصوتية للعلامة الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله الحديث الثاني عشر عن ابي هريرة رضي الله عنه انه قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى اله وسلم
0:31المؤمن القوي خير واحب الى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وان اصابك شيء فلا تقل لو اني فعلت كذا كان كذا وكذا
0:59ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فان لو تفتح عمل الشيطان رواه مسلم قال الشيخ السعدي رحمه الله في شرحه هذا الحديث اشتمل على اصول عظيمة وكلمات جامعة فمنها اثبات المحبة صفة لله
1:32وانها متعلقة بمحبوباته وبمن قام بها ودل على انها تتعلق بارادته ومشيئته وايضا تتفاضل فمحبته للمؤمن القوي اعظم من محبته للمؤمن الضعيف ودل الحديث على ان الايمان يشمل العقائد القلبية والاقوال والافعال
2:13كما هو مذهب اهل السنة والجماعة فان الايمان بضع وسبعون شعبة اعلاها قول لا اله الا الله وادناها اماطة الاذى عن الطريق والحياء شعبة منه وهذه الشعب التي ترجع الى الاعمال الباطنة والظاهرة كلها من الايمان
2:53فمن قام بها حق القيام وكمل نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح وكمل غيره بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر فهو المؤمن القوي الذي حاز اعلى مراتب الايمان ومن لم يصل الى هذه المرتبة
3:28فهو المؤمن الضعيف وهذا من ادلة السلف ان الايمان يزيد وينقص وذلك بحسب علوم الايمان ومعارفه وبحسب اعماله وهذا الاصل قد دل عليه الكتاب والسنة في مواضع كثيرة ولما فاضل النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم بين المؤمنين قويهم
4:10وضعيفهم خشي من توهم القدح في المفضول فقال وفي كل خير وفي هذا الاحتراز فائدة نفيسة وهي ان على من فاضل بين الاشخاص او الاجناس او الاعمال ان يذكر وجه التفضيل
4:43وجهة التفضيل ويحترز بذكر الفضل المشترك بين الفاضل والمفضول لان لا يتطرق القدح الى المفضول وكذلك في الجانب الاخر اذا ذكرت مراتب الشر والاشرار وذكر التفاوت بينها فينبغي بعد ذلك ان يذكر القدر المشترك بينها
5:23من اسباب الخير او الشر وهذا كثير في الكتاب والسنة وفي هذا الحديث ان المؤمنين يتفاوتون في الخيرية ومحبة الله والقيام بدينه وانهم في ذلك درجات ولكل درجات من ما عملوا
6:02ويجمعهم ثلاثة اقسام السابقون الى الخيرات وهم الذين قاموا بالواجبات والمستحبات وتركوا المحرمات والمكروهات وفضول المباحات وكملوا ما باشروه من الاعمال واتصفوا بجميع صفات الكمال ثم المقتصدون الذين اقتصروا على القيام بالواجبات وترك المحظورات
6:47ثم الظالمون لانفسهم الذين خلطوا عملا صالحا واخر سيئا وقوله صلى الله عليه وعلى اله وسلم احرص على ما ينفعك واستعن بالله كلام جامع نافع محتو على سعادة الدنيا والاخرة
7:22والامور النافعة قسمان امور دينية وامور دنيوية والعبد محتاج الى الدنيوية كما انه محتاج الى الدينية فمدار سعادته وتوفيقه على الحرص والاجتهاد على الامور النافعة منهما مع الاستعانة بالله تعالى
8:00فمتى حرص العبد على الامور النافعة واجتهد فيها وسلك اسبابها وطرقها واستعان بربه في حصولها وتكميلها كان ذلك كماله وعنوان فلاحه ومتى فاته واحد من هذه الامور الثلاثة فاته من الخير بحسبها
8:40فمن لم يكن حريصا على الامور النافعة بل كان كسلانا لم يدرك شيئا بل كسله واصل الخيبة والفشل بل كسلان لا يدرك خيرا ولا ينال مكرمه ولا يحظى بدين ولا دنيا
9:10ومتى كان حريصا ولكن على غير الامور النافعة اما على امور ضارة او مفوتة للكمال كان ثمرة حرصه الخيبة وفوات الخير وحصول الشر والضرر فكم من حريص على سلوك طرق واحوال غير نافعة
9:46لم يستفد من حرصه الا التعب والعناء والشقاء ثم اذا سلك العبد الطرق النافعة وحرص عليها واجتهد فيها لم تتم له الا بصدق اللجأ الى الله والاستعانة به على ادراكها وتكميمه
10:14والا يتكل على نفسه وحوله وقوته بل يكون اعتماده التام بباطنه وظاهره على ربه فبذلك تهون عليه المصاعب وتتيسر له الاحوال وتتم له النتائج والثمرات الطيبة في امر الدين وامر الدنيا
10:54لكنه في هذه الاحوال محتاج بل مضطر غاية الاضطرار الى معرفة الامور النافعة التي ينبغي الحرص عليها والجد في طلبها فالامور النافعة في الدين ترجع الى امرين علم نافع وعمل صالح
11:28اما العلم النافع فهو العلم المزكي للقلوب والارواح المثمر لسعادة الدارين وهو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حديث وتفسير وفقه وما يعين على ذلك من علوم العربية
12:04بحسب حالة الوقت والموضع الذي فيه الانسان وتعيين ذلك يختلف باختلاف الاحوال والحالة التقريبية ان يجتهد طالب العلم في حفظ مختصر من مختصرات الفن الذي يشتغل فيه فان تعذر او تعسر عليه حفظه لفظا فليكرره كثيرا
12:44متدبرا لمعانيه حتى ترسخ معانيه في قلبه ثم تكون باقي كتب هذا الفن التفسير والتوضيح والتفريغ لذلك الاصل الذي في عرفه وادركه فان الانسان اذا حفظ الاصول وصار له ملكة تامة في معرفتها
13:21هانت عليه كتب الفن كلها صغارها وكبارها ومن ضيع الاصول حرم الوصول فمن حرص على هذا الذي ذكرناه واستعان بالله اعانه الله وبارك له في علمه وطريقه الذي سلكه ومن سلك في طلب العلم غير هذه الطريقة النافعة
14:01فاتت عليه الاوقات ولم يدرك الا العناء كما هو معروف بالتجربة والواقع يشهد به فان يسر الله له معلما يحسن طريقة التعليم ومسالك التفهيم تم له السبب الموصل الى العلم
14:32والامر الثاني وهو العمل الصالح فهو العمل الذي جمع الاخلاص لله والمتابعة للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو التقرب الى الله باعتقاد ما يجب لله من صفات الكمال
15:04وما يستحقه على عباده من العبودية وتنزيهه عما لا يليق بجلاله وتصديقه وتصديق رسوله في كل خبر احضر به عما مضى وعما تقبل عن الرسل والكتب والملائكة واحوال الاخرة والجنة والنار والثواب والعقاب وغير ذلك
15:47ثم يسعى في اداء ما فرضه الله على عباده من حقوق الله وحقوق خلقه ويكمل ذلك بالنوافل والتطوعات خصوصا المؤكدة في اوقاتها مستعينا بالله على فعلها وعلى تحقيقها وتكميلها وفعلها على وجه الاخلاص الذي لا يشوبه غرض من الاغراض النفسية
16:41وكذلك يتقرب الى الله بترك المحرمات وخصوصا التي تدعو اليها النفوس وتميل اليها فيتقرب الى ربه بتركها لله كما يتقرب اليه بفعل المأمورات فمتى وفق العبد بسلوك هذا الطريق في العمل
17:17واستعان الله على ذلك افلح وانجح وكان كماله بحسب ما قام به من هذه الامور ونقصه بحسب ما فاته منها واما الامور النافعة في الدنيا فالعبد لابد له من طلب الرزق
17:50فينبغي ان يسلك انفع الاسباب الدنيوية اللائقة بحاله وذلك يختلف باختلاف الناس ويقصد بكسبه وسعيه القيام بواجب نفسه وواجب من يعوله ومن يقوم بمؤونته وينوي الكفاف والاستغناء بطلبه عن الخلق
18:28وكذلك ينوي بسعيه وكسبه تحصيل ما تقوم به العبوديات المالية من الزكاة والصدقة والنفقات الخيرية الخاصة والعامة مما يتوقف المال ويقصد المكاسب الطيبة متجنبا للمكاسب الخبيثة المحرمة فمتى كان طلب العبد وسعيه في الدنيا لهذه المقاصد الجليلة
19:18وسلك انفع طريق يراه مناسبا لحاله كانت حركاته وسعيه قربة يتقرب الى الله بها ومن تمام ذلك الا يتكل العبد على حوله وقوته وذكائه ومعرفته وحذقه بمعرفة الاسباب وادارتها بل يستعين بربه متوكلا عليه
20:01راجيا منه ان ييسره لايسر الامور وانجحها واقربها تحصيلا لمراده ويسأل ربه ان يبارك له في رزقه فاول بركة الرزق ان يكون مؤسسا على التقوى والنية الصالحة ومن بركة الرزق
20:38ان يوفق العبد لوضعه في مواضعه الواجبة والمستحبة ومن بركة الرزق الا ينسى العبد الفضل في المعاملة كما قال تعالى ولا تنسوا الفضل بينكم بالتيسير على الموسرين وانظار المعسرين والمحاباة عند البيع والشراء
21:19بما تيسر من قليل او كثير فبذلك ينال العبد خيرا كثيرا فان قيل اي المكاسب اولى وافضل قيل قد اختلف اهل العلم في ذلك فمنهم من فضل الزراعة والحراثة ومنهم من فضل البيع والشراء
21:53ومنهم من فضل القيام بالصناعات والحرف ونحوها وكل منهم ادلى بحجته ولكن هذا الحديث هو الفاصل للنزاع وهو انه صلى الله عليه وعلى اله وسلم قال احرص على ما ينفعك واستعن بالله
22:30والنافع من ذلك معلوم انه يختلف باختلاف الاحوال والاشخاص فمنهم من تكون الحراثة والزراعة افضل في حقه ومنهم من يكون البيع والشراء والقيام بالصناعة التي يحسنها افضل في حقه فالافضل من ذلك وغيره الانفع
23:08فصلوات الله وسلامه على من اعطي جوامع الكلم ونوافعها ثم انه صلى الله عليه وعلى اله وسلم حض على الرضا بقضاء الله وقدره بعد بذل الجهد واستفراغ الوسع في الحرص على النافع
23:43فاذا اصاب العبد ما يكرهه فلا ينسب ذلك الى ترك بعض الاسباب التي يظن نفعها لو فعلها بل يسكن الى قضاء الله وقدره ليزداد ايمانه ويسكن قلبه وتستريح نفسه فان لو في هذه الحال تفتح عمل الشيطان
24:20بنقص ايمانه بالقدر واعتراضه عليه وفتح ابواب الهم والحزن المضعف للقلب وهذه الحال التي ارشد اليها النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم هي اعظم الطرق لراحة القلب وادعى لحصول القناعة والحياة الطيبة
24:59وهو الحرص على الامور النافعة والاجتهاد في تحصيلها والاستعانة بالله عليها وشكر الله على ما يسره منها والرضا عنه بما فات ولم يحصل منها واعلم ان استعمال لو يختلف باختلاف ما قصد بها
25:35فان استعملت في هذه الحال التي لا يمكن استدراك الفائت فيها فانها تفتح على العبد عمل الشيطان كما تقدم وكذلك لو استعملت في تمني الشر والمعاصي فانها مذمومة وصاحبها اثم
26:06ولو لم يباشر المعصية فانه تمنى حصولها واما اذا استعملت في تمني الخير او في بيان العلم النافع فانها محمودة لان الوسائل لها احكام المقاصد وهذا الاصل الذي ذكره النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم
26:47وهو الامر بالحرص على الامور النافعة ومن لازمه اجتناب الامور الضارة مع الاستعانة بالله يشمل استعماله والامر به في الامور الجزئية المختصة بالعبد ومتعلقة ويشمل الامور الكلية المتعلقة بعموم الامة
27:25فعليهم جميعا ان يحرصوا على الامور النافعة وهي المصالح الكلية والاستعداد لاعدائهم بكل مما يناسب الوقت من القوة المعنوية والمادية ويبذلوا غاية مقدورهم في ذلك مستعينين بالله على تحقيقه وتكميله
28:08ودفع جميع ما يضاد ذلك وشرح هذه الجملة يطول وتفاصيلها معروفة وقد جمع النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم في هذا الحديث بين الايمان بالقضاء والقدر والعمل بالاسباب النافعة
28:42وهذان الاصلان دل عليهما الكتاب والسنة في مواضع كثيرة ولا يتم الدين الا بهما بل لا تتم الامور المقصودة كلها الا بهما لان قوله احرص على ما ينفعك امر بكل سبب ديني ودنيوي
29:18بل امر بالجد والاجتهاد في الحرص عليه نية وهمة فعلا وتدبيرا وقوله واستعن بالله ايمان بالقضاء والقدر وامر بالتوكل على الله الذي هو الاعتماد التام على حوله وقوته تعالى اه
29:50في جلب المصالح ودفع المضار مع الثقة التامة بالله في نجاح ذلك فالمتبع للرسول صلى الله عليه وعلى اله وسلم يتعين عليه ان يتوكل على الله في امر دينه ودنياه
30:21وان يقوم بكل سبب نافع بحسب قدرته وعلمه ومعرفته والله المستعان