المواهب الربانية من الآيات القرآنية للعلامة السعدي (٦) | شرح الشيخ صالح العصيمي
0:00قال المؤلف رحمه الله تعالى قوله تعالى ما لهم به من علم ولا لابائهم كبرت كلمة تخرج من افواههم يقولون الا كذبا طلبه قول من زعم ان لله ولدا من ثلاثة اوجه بل من اربعة احدها انه قول بلا علم ومن المعلوم ان القول بلا علم من اعظم
0:20ان ذلك من الجهالات والضلالات خصوصا في اعظم المسائل واهمها وهي مسألة التوحيد وتفرد الباري جل جلاله مالي وتنزهه عن كل ما لا يليق بجلاله من انواع النقائص المنافية لكمال الربوبية وعظمة الالهية
0:39فنبى عنهم العلم ونهى عنهم التقليد لاهل العلم فلم يقولوا شيئا يعلمونه ولقد اقتدوا بالعالمين منهم واباؤهم في ضلال مبين والوجه الثاني قوله كبرت كلمة تخرج من افواههم اي عظمت وزادت في الشناعة الى حد يستعجب كيف نطقوا بها وكيف خرجت هذه الكلمة
0:59جميعة من اصاحهم التي تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال والجبال هدا ان دعوا للرحمن ولدا انما كانت شنيعة جدا لانها متضمنة لشتم رب العالمين وسبه كما قال تعالى في الحديث الصحيح شتمني ابن ادم ولم يكن له ذلك
1:19فكذبني ابن ادم ولم يكن له ذلك اما شتمه اياي فقوله ان لي ولدا وانا الواحد الاحد الفرد الصمد الذي لم يتخذ صاحبة يا ولد ولم يكن له كفوا احد الى اخره فاي شتم اعظم من هذا الشتم الذي مضمونه؟ حاجة رب العالمين الى اتخاذ الصاحبة والولد ومنافاة
1:41وتفرده بالكمال الوجه الثالث قوله ان يقولون الا كذبا فسجل على ان قولهم هذا هو الكذب الصراح والافك المبين. فتأمل كيف ارتقى في ابطاله من وجه يبطله الى وجه اخر يزيد في ابطاله الى وجه ثالث. لا يبقي ريب ولا شك لكل ذي بصيرة في ابطاله. فنفى العلم بوجوهه وشن
2:04وعظمه واخبر عن مرتبة وانه قول في اخر المراتب واسفلها وهو الكذب والافتراء والوجه الرابع ما يحصل به من مجموع هذه الاوجه فان الهيئة الاجتماعية يحصل منها اثر ودلالة غير ما حصل بكل وجه على انفراده
2:21من تصليح الدلالة ما يتضح به الحق وينجلي. وهكذا كل المسايس عليها عدة ادلة فانه يحصل بكل دليل على انفراده علم. ثم يحصل دليل اخر علم اخر ثم يحصل باجتماعهما علم اخر وهكذا كلما كثرت وتعددت وتعددت وبهذا ونحن نعلم ان
2:41بارك مسألة التوحيد وفروعه ومسألة المعاد ومسألة النبوة ان من تتبع ادلته واستقرأ براهينها فانه يحصل له من حق اليقين من العلم الكامل فيها ما لا يحصل في غيرها من المسائل التي يدونها وهذا من اجل قواعد الايمان وافضل العلوم النافعة واعظم ما يقرب
3:01يا رب العالمين. هذه الاية من سورة الكهف اعظم الايات التي جاءت بالقرآن الكريم بابطال قول من زعم ان لله ولدا من النصارى او غيره من المشركين. فان الله سبحانه وتعالى ابطل هذه الدعوة من وجوه اربعة. اولها انه قول على الله
3:22لا علم والقول على الله بلا علم هو من اعظم الرزايا واشد البلايا. ولذلك ختم الله عز وجل الاية الواردة في المحرمات الكبرى التي اتفقت عليها الملل والديانات بهذا الامر. فقال سبحانه وتعالى قل انما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها
3:42وما بطن والاثم والبغي بغير الحق وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وان تقولوا على الله ما لا تعلمون. فختم هذه الاية بهذه البلية العظيمة وهي القول على الله عز وجل بلا علم لشدتها وعظمها. والوجه الثاني
4:01تشنيع هذه الكلمة وبيان قباحتها وتعظيم ذلك لانها متظمنة لشتم الرب سبحانه وتعالى. كما جاء بيان ذلك في الحديث القدسي الصحيح شتمني ابن ادم ثم بين كيفية الشتم له سبحانه وتعالى بان الناس يقولون ان له ولد وهو
4:21سبحانه وتعالى الواحد الاحد الصمد الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولد. فلا شتم اعظم من هذا الشتم الذي مضمونه افتخار ربي سبحانه وتعالى وحاجته الى اتخاذ الصاحبة والولد. وسياق الحديث الذي ذكره المصنف رحمه الله تعالى لا يوجد بهذا التمام
4:41للصحيح فان لفظ الفرض لا يوجد في حديث صحيح ابدا. وكل الاحاديث التي وردت في ذكر ان الفرد من اسماء الله عز وجل لا يثبت منها شيء فليس الفرد من اسماء الله عز وجل وانما قد يخبر عن الله عز وجل بانه فرض مع انه لا حاجة الى
5:01هذا الاخبار لان الاخبار انما يسوغ لحاجة كما ذكره ابو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في درء تعارض النقل والعقل او في منهاج السنة نبوية وهذه الحاجة مدفوعة بان لله اثنين كاملين ينبئان عن هذا المعنى وهما الواحد والاحد وفي ذلك سورة
5:21قل هو الله احد الى اخرها والوجه الثالث ان الله عز وجل سجل على هؤلاء القائمين ان قولهم كذب صراح وافك مبين. فهذه المقولة التي اخترعوها وجاؤوا بها كذب على الرب عز وجل. واذا كان يعظم عند الناس الكذب على اشراف الناس من العلماء
5:45واهل الخير والاحسان فان الكذب على الله عز وجل اعظم واقبح لان الله عز وجل هو رب العالمين. فمن افترى على كذبا فقد وقع في العقاب الوخيم. والوجه الرابع ما يحصل به مجموع هذه الا وجه لان الهيئة المجتمعة لهذه الادلة تورث علما جديدا فان الوجه الاول ينشئ علما
6:11الوجه الثاني ينشأ علما اخر. والوجه الثالث ينشئ علما ثالثا. فاذا اجتمعت هذه الوجوه جميعا حدث عند العبد علم رابع وهو العلم بهذه الهيئة الاجتماعية من جهة قوة الاستدلال فيها وظهور الادلة الواردة من
6:31والسنة على تحقيقها. وهذه هي طريقة القرآن في المسائل الكبار كمسألة الالوهية والنبوات والمعاد التي هي اصول العلوم الخبرية فان تقرير القرآن الكريم لهذه المسائل الثلاث تتنوع براهينه وادلته والزكاتر ويحصل من
6:51كافريها ايظا هيئة اجتماعية يقوى بها الدليل. ومن محاسن الرد في هذه الاية ان الرد فيها جاء مبنيا على التوقي من وجه الى وجه اشد منه واعظم. وهذا من محاسن الرد. فينبغي لمن اراد ان يرد على
7:11او ان ينقض مقالة خاطئة او مخطئة فانه يبدأ بما هو هين ثم يرتقي الى ما هو فوقه ثم يلتقي الى ما هو فوقه لان تسامع هذا الترقي يجعل في النفس ابطانا لها ودفعا لهذه الدعوة وابعادا
7:31عنها نعم سورة مريم عليها السلام قد اشتملت على تفاصيل عظيمة من ذكر رحمة الله بانبيائه واصفائه واحبابه وما من عليهم به في الدنيا من نعم الدين والدنيا والنعم الظاهرة والباطنة وما يكرمهم به من الذكر الجميل والثناء الحسن ووصفهم باحسن اوصافهم ونأتيهم باشرف نعوتهم
7:54وما يكرمهم به في الاخرة من الثواب والفضل العظيم وذكر رحمته ايضا بادائه حيث عاملهم بالحلم والصفح وتصنيف الايات لعلهم يرجعون ما عظم ما اتوا به من السمعة ايضا مع عظم ما اتوا به من الشرور وعظائم الامور ولذلك اكثر الله فيها من ذكر اسم الرحمن الذي هذه اثار ومن ذكر الرحمة
8:21ونسأله تعالى ان يدخلنا برحمته في عباده الصالحين من قواعد التفكير المعينة على حل الاشكالات ودفعها في اية القرآن الكريم معرفتك بمقصد السورة التي بها الاية التي تتطلع الى معرفة تفسيرها
8:41فان التالي للقرآن اذا عقل مقاصد هذه الصورة فهم ما يشكل عليه منها. ومن هنا اعتنى اهل العلم رحمهم الله تعالى ببيان مقاصد الصور لان معرفة هذه المقاصد تعينك على فهم الايات الواردة فيها. ومن ابرز من اعتنى بذلك
9:01والمفسرين من العجم من المتأخرين عبد الحميد الفواهي رحمه الله تعالى فان الشيخ عبد الحميد يضارع الشيخ محمد الامين الشنقيطي رحمه الله تعالى وكان متعاصرين وهذا شيخ المفسرين من العرب وهذا شيخ المفسرين من العجب وقد صنف
9:21وبذلك كتابا نافعا اسمه نظام القرآن واعتنى رحمه الله تعالى ببناء ما كتبه من التفكير على هذه الهيئة فانه جعل لكل سورة نظاما يرقب فيه مقصد واحد او مقاصد عدة مما يعين على فهم اياتها ومن جملة هذا ما ذكره المصنف
9:41رحمه الله تعالى في سورة مريم وان من مقاصدها بيان رحمة الله عز وجل باظهار ما ذكر المصنف رحمه الله تعالى من التفاصيل الوالدة بها المتعلقة برحمة الله قوله تعالى يا يحيى خذ الكتاب بقوة ذكر كثير من المفكرين ان تقديره فوهبنا له يحيى فقلنا يا يحيى الى اخره
10:05فيحتاج الى هذا ولا يحتاج الى هذا فانه صرح اولا بهبته يحيى في قوله يا زكريا انا نبشرك بغلام اسمه هو يحيى فلو ذكر بعد ذلك لكان تكرير لا يحتاج اليه
10:21هذا تكريرك تقدم ان التكرار في القرآن الكريم لا بد ان يكون مشتملا على بلاغة وافادة في المعاني وما ذكره كثير من المفسرين ان تقدير قوله تعالى يا يحيى خذ الكتاب بالقوة تقديره فوهبنا له يحيى ثم قلنا له يا يحيى خذ الكتاب بقوة الا
10:49هذا التقدير ضعيف لان التصريح قد تقدم بذكر يحيى عليه الصلاة والسلام بالبشارة به في قوله تعالى يا زكريا نبشرك بغلام اسمه يحيى فلاجل تقدم التصريح به لم يحتج حينئذ الى تفريغ الكلام لانه لا يظهر فيه
11:09معنى جديد ومما ينبغي ان يعلم ان الاستغناء عن التصريح بالمراد في القرآن الكريم اما ان يكون لتقدمه كما في هذه الاية فانه لم يذكر فوهبنا له يحيى يا يحيى خذ الكتاب بقوة وانما قيل يا يحيى خذ الكتاب بقوة استغناء بتقدم
11:29ذكر يحيى عليه الصلاة والسلام في بشارة ابيه زكريا به. وقد يكون تارة لظهوره كقوله تعالى حتى توارت بالحجاب. فان المراد بالحجاب هنا الشمس ولم تكن الشمس مذكورة في السياق من قبل. وكقوله
11:48صلى الله عليه وسلم في الصحيحين صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته. والمراد بذلك الهلال الا انه لم يكن قد تقدم ذكر الهلال لكن العلم به وظهوره اغنى عن اعادته وهذا من بلاغة الكلام
12:06قوله تعالى فطلب من بعدهم خلف اضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا اي عذابا مضاعفا شديدا تبع الشهوات بما فلذلك قال اتبعوا ولم يقل تناولوا واكلوا ونحوه. بهذا المعنى لان هذا الظن
12:26كما يتناول متبعي الشهوات فمهما اشتهت نفوسهم فعلوه. على انه المقصود المتبوع ومن المعلوم ان النفس من طبعها انها امارة بالسوء فاذا كان هذا طبعها علم ان ذمهم على اتباع شهوات يدخل بهم معاصي كلها. ولذلك رتب على هذا العقاب البليغ في قوله فسوف يلقون
12:46وهذا بخلاف المؤمن المطيع لله فانه وان تناول الشهوات فانه لا يتبعها ولا تصير اكبر عمه ولا مبلغ علمه بل يتناولها على اود ان تكون هي تابعة لغيرها لا متبوعة. وخواص المؤمنين يتناولون الشهوات بقصد التوسل بها الى القربات فتنقلب طاعات. هذه الجملة
13:06ذكر فيها المصنف رحمه الله تعالى من قواعد التفسير تعيين لفظ يختار في التعبير عن المراد دون لفظ اخر. فان الرب سبحانه وتعالى هنا لما ذمهم قال واتبعوا الشهوات ولم يقل سبحانه وتعالى وفعلوا الشهوات او تناولوا الشهوات لان تناول الشهوة جبلة
13:31المركوزة في النفس كما قال الله عز وجل زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين الاية فان النفس مطبوعة على محبة الشهوة اذن للمؤمن في تناولها كما قال الله عز وجل قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق
13:53فاذن الله عز وجل للمؤمنين خاصة بان يتناولوا هذه الشهوات ولذلك فهم يتناولونها ويتمتعون بها عليها واما الكفار فانهم وان تمتعوا بها في الدنيا فانهم يعاقبون عليها في الاخرة ولذلك لا تكونوا خالصة
14:13في يوم القيامة الا للذين امنوا كما ذكر الرب سبحانه وتعالى. فليس الذم على اتخاذ الشهوة والميل اليها وتناولها وانما ذموا بانهم قد ملكتهم شهواتهم فصاروا تبعا لها فانها كالحاكم عليهم فحيثما
14:33دارت بهم الشهوة داروا معها وحيثما مالت بهم الشهوة مالوا معها فيذم من الشهوة اتباعها لا تناولها فينبغي ان تفرق بين مقامين اثنين يتعلقان بالشهوة احدهما تناول الشهوة كالاكل من مطعم حسن او الشرب من مشرب هنيء
14:53او التمتع بالازواج او طلب الذرية فان هذا تناول لشهوات اذن الله بها. والثاني اتباع الشهوات بان تكون هي الغالبة على العبد. الحاكمة له فاذا حكمت عليه بشيء تبع حكمها كما كان يفعل هؤلاء الخلف الذين ذمهم الله سبحانه وتعالى بكون
15:18يسيرون مع الشهوات لا يخالفونها فعندئذ كان لهم العقاب ونظير هذا ان الذي تناوله الظن هو اتباع الهوى وهو كونه متقوعا بان يتخذ العبد الهه هواه لا مجرد ان يكون للعبد
15:35فكل واحد له هوى ولكن المؤمنين كما قال تعالى واما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هي المأوى يعني ان العبد لا يذم على وجود الهوى معه. فان كل انسان له هوى والمراد بالهوى ها هنا الميت
15:55فان لكل انسان ميلا الا ان الذي يذم هو ان يغلب عليه الهوى حتى يكون الهوى حاكما عليه بمنزلة الاله كما قال الله عز وجل افرأيت من اتخذ الهه وواه فليس العبد مقبوحا مذموما لكونه
16:15على هوى وانما يذم اذا غلب عليه هذا الهوى حتى كان حاكما له يدور معه. ويمدح العبد اذا نهى النفس عن هواها واما مجرد الميع فهذا لا يذم عليه العبد
16:31وهذا ينبئك عن ان الهوى قد يطلق ويراد به مجرد الميل. وليس الميل الى الضلال. فان للهوى معنيين اثنين. احدهما الميل الى الضلال وهذا اكثر ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية. والثاني مجرد الميل. سواء كان الى هدى
16:51او الى غيب كما جاء في صحيح البخاري ان عائشة رضي الله عنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم ما انا ربك الا تسارع في هواك يعني في ميلك الذي تميل اليه وليس المراد في اظلالك. ومثله ما جاء في الحديث الضعيف
17:11لا يؤمن احدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به. فان الهوى هنا يراد به الميل. لا الميل الى الضلال