← المكتبة ▭▭ صفحتان
قصص الأنبياء
ابن كثير السيرة النبوية 774 هـ
A− A+
127 · ص56 · ج2
يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا؟ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أهديكم إِلَّا سَبِيل الرشاد ". وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وَكَانَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ مِنْ قَوْمِهِ خَوْفًا مِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ. وَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ كَانَ إِسْرَائِيلِيًّا، وَهُوَ بَعِيدٌ وَمُخَالِفٌ لِسِيَاقِ الْكَلَامِ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ يُؤْمِنْ مِنَ الْقِبْطِ بِمُوسَى إِلَّا هَذَا، وَالَّذِي جَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وَامْرَأَةِ فِرْعَوْنَ. رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَا يُعْرَفُ مَنِ اسْمُهُ شَمْعَانُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ إِلَّا مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ. حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ. وَفِي تَارِيخ الطَّبَرَانِيّ: أَن اسْمه " خير " فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ، فَلَمَّا هَمَّ فِرْعَوْنُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - بِقَتْلِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعَزَمَ عَلَى ذَلِكَ وَشَاوَرَ مَلَأَهُ فِيهِ، خَافَ هَذَا الْمُؤْمِنُ عَلَى مُوسَى، فَتَلَطَّفَ فِي رَدِّ فِرْعَوْنَ بِكَلَامٍ جَمَعَ فِيهِ التَّرْغِيب والترهيب، فَقَالَ عَلَى وَجْهِ الْمَشُورَةِ وَالرَّأْيِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ " وَهَذَا مِنْ أَعْلَى مَرَاتِبِ هَذَا الْمقَام، فَإِن فِرْعَوْن لَا أَشَدُّ جَوْرًا مِنْهُ، وَهَذَا الْكَلَامُ لَا أَعْدَلَ مِنْهُ!