689 · ص170 · ج2
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَابِصَةَ الْعَبْسِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: جَاءَنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَنَازِلِنَا بِمِنًى، وَنَحْنُ نَازِلُونَ بِإِزَاءِ الْجَمْرَةِ الْأُولَى التِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ مردفا خَلفه زيد بن حَارِثَة، فَدَعَانَا فو الله مَا اسْتَجَبْنَا لَهُ وَلَا خِيرَ لَنَا.
قَالَ: وَقَدْ كُنَّا سَمِعْنَا بِهِ وَبِدُعَائِهِ فِي الْمَوَاسِمِ، فَوَقَفَ عَلَيْنَا يَدْعُونَا فَلَمْ نَسْتَجِبْ لَهُ وَكَانَ مَعَنَا مَيْسَرَةُ بْنُ مَسْرُوقٍ الْعَبْسِيُّ، فَقَالَ لَنَا: أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَوْ قَدْ صَدَّقْنَا هَذَا الرَّجُلَ وَحَمَلْنَاهُ حَتَّى نَحُلَّ بِهِ وَسْطَ بِلَادِنَا لَكَانَ الرَّأْيَ، فَأَحْلِفُ بِاللَّهِ لَيَظْهَرَنَّ أَمْرُهُ حَتَّى يَبْلُغَ كُلَّ مَبْلَغٍ.
فَقَالَ الْقَوْمُ: دَعْنَا مِنْكَ لَا تُعَرِّضْنَا لِمَا لَا قِبَلَ لَنَا بِهِ.
وَطَمِعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَيْسَرَةَ، فَكَلَّمَهُ، فَقَالَ مَيْسَرَةُ: مَا أَحْسَنَ كَلَامَكَ وَأَنْوَرَهُ، وَلَكِنَّ قَوْمِي يُخَالِفُونَنِي، وَإِنَّمَا الرَّجُلُ بِقَوْمِهِ، فَإِذَا لَمْ يَعْضُدُوهُ فَالْعِدَى أَبْعَدُ.
فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَرَجَ الْقَوْمُ صَادِرِينَ إِلَى أَهْلِيهِمْ.
فَقَالَ لَهُمْ مَيْسَرَةُ: مِيلُوا نأتى فدك فَإِن بهَا يهودا نُسَائِلُهُمْ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ.
فَمَالُوا إِلَى يَهُودَ فَأَخْرَجُوا سِفْرًا لَهُمْ فَوَضَعُوهُ ثُمَّ دَرَسُوا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الْعَرَبِيِّ يَرْكَبُ الْحِمَارَ وَيَجْتَزِئُ بِالْكَسْرَةِ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالْجَعْدِ وَلَا بِالسَّبْطِ، فِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ، مُشْرِقُ اللَّوْنِ.
فَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ وَادْخُلُوا فِي دِينِهِ، فَإنَّا نحسده وَلَا نتبعه، وَإِنَّا [مِنْهُ] فِي مُوَاطِنَ بَلَاءٌ عَظِيمٌ وَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا اتَّبَعَهُ وَإِلَّا قَاتَلَهُ فَكُونُوا مِمَّنْ يَتَّبِعُهُ.
فَقَالَ مَيْسَرَةُ: يَا قَوْمِ أَلَا [إِنَّ] هَذَا الْأَمْرَ بَيِّنٌ.
690 · ص170 · ج3
وَعَدْنَا أَبَا سُفْيَانَ بَدْرًا فَلَمْ نَجِدْ * لِمِيعَادِهِ صِدْقًا وَمَا كَانَ وَافِيَا فَأُقْسِمُ لَوْ لَاقَيْتَنَا فَلَقِيَتَنَا * لَأُبْتَ ذَمِيمًا وَافْتَقَدْتَ الْمَوَالِيَا
تَرَكْنَا بِهِ أَوْصَالَ عُتْبَةَ وَابْنِهِ * وَعَمْرًا أَبَا جَهْلٍ تَرَكْنَاهُ ثَاوِيَا عَصَيْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ أُفٍّ لِدِينِكُمْ * وَأَمْرِكُمُ السئ الَّذِي كَانَ غَاوِيَا فَإِنِّي وَإِنْ عَنَّفْتُمُونِي لَقَائِلٌ * فِدًى لِرَسُولِ اللَّهِ أَهْلِي وَمَالِيَا أَطَعْنَاهُ لَمْ نعد لَهُ فِينَا بِغَيْرِهِ * شِهَابًا لَنَا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ هَادِيَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي ذَلِكَ: دَعُوا فَلَجَاتِ الشَّامِ قَدْ حَالَ دُونَهَا * جِلَادٌ كَأَفْوَاهِ الْمَخَاضِ الْأَوَارِكِ (١) بِأَيْدِي رجال هَاجرُوا نَحْو رَبهم * وأنصاره حَقًا وأيدي الملائك إِذا سلكت للغور من بطن عالج * فَقُولَا لَهَا لَيْسَ الطَّرِيقُ هُنَالِكِ أَقَمْنَا عَلَى الرَّسِّ النَّزُوعِ ثَمَانِيًا * بِأَرْعَنَ جَرَّارٍ عَرِيضِ الْمَبَارِكِ (٢) بِكُلِّ كُمَيْتٍ جَوْزُهُ نِصْفُ خَلْقِهِ * وَقُبٍّ طِوَالٍ مُشْرِفَاتِ الْحَوَارِكِ (٣) تَرَى الْعَرْفَجَ الْعَامِيَّ تَذْرِي أُصُولَهُ * مَنَاسِمُ أَخْفَافِ الْمَطِيِّ الرَّوَاتِكِ (٤) فَإِنْ تَلْقَ فِي تَطْوَافِنَا وَالْتِمَاسِنَا * فُرَاتَ بْنَ حَيَّانٍ يَكُنْ رَهْنَ هَالِكِ وَإِنْ تَلْقَ قَيْسَ بْنَ امْرِئِ الْقَيْسِ بَعْدَهُ * يُزَدْ فِي سَوَادِ لَوْنِهِ لَوْنُ حَالِكِ فَأَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنِّي رِسَالَةً * فَإِنَّكَ مِنْ غُرِّ الرِّجَالِ الصَّعَالِكِ قَالَ: فَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَقَدْ أَسْلَمَ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ: أَحَسَّانُ إِنَّا يَا ابْنَ آكِلَة الفغا * وَجدك نغتال الخروق كَذَلِك (٥)
(١) الفلجات: جمع فلج، وَهُوَ النَّهر الصَّغِير.
والاوارك: الابل الَّتِى رعت الاراك.
(٢) الرس: الْبِئْر.
والنزوع: الْقَرِيبَة القعر.
والارعن: الْجَيْش ذُو الفضول.
(٣) الْكُمَيْت: الْفرس.
والجوز: الْوسط.
والقب: جمع أقب، وَهُوَ الْفرس الضامر الْبَطن والحوارك: جمع حارك وَهُوَ أَعلَى الْكَاهِل.
(٤) العرفج: شجر سهلى.
والعامي: الذى أَتَى عَلَيْهِ الْعَام.
والرواتك: المسرعة.
(٥) الفغا: شئ كالتبن.
والخروق: القفار.
ونفتال: نقطع.
(*)