← المكتبة ▭ صفحة واحدة
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
أبو طالب المكي الرقائق والآداب والأذكار 386 هـ
A− A+
511 · ص260 · ج1
نَسيتَ) الكهف: ٢٤، فحق الذكر نسيان ما سواه كما أن حقيقة الإيمان الكفر بكل إله كقوله تعالى (فَمَنْ يَكْفُرْ بالطَّاغُوتِ وَيؤْمِنْ بالله) البقرة: ٢٥٦، وقال بعض أهل الحديث: جاءني رجل من إخواني من أهل المعرفة، فقال: قد وجدت من قلبي غفلة فأريد أن تحملني إلى مجلس من مجالس الذكر فقلت نعم فسمّى له مذكراً يتكلم في علوم العامة قال: فحضرنا عنده واجتمع الخلق فأخذ في شيء من القصص وذكر الجنة والنار فنظر إليّ صاحبي فقال أليس زعمت أن هذا يذكر الله ويذكر ربه عزّوجلّ ويذكر أيامه فقلت: نعم هكذا هو عندنا فقال: ما أسمع إلا ذكر الخلق فأين ذكرالله تعالى؟ ثم توقف ساعة ينتظر منه ما يريد من علم المعرفة ومما سمعه من شيوخه الصوفية قال: فليس إلا القصص والحكايات فالتفت إليّ وقال: قم بنا فإنه لا يسعني الجلوس لأنه لا نية لي في ذلك فقلت أما أنا فأستحي أن أتخطى الناس فاصنع أنت ما ترى فقام يتخطى الناس حتى خرج. وقد روى الزهري عن سالم عن ابن عمر أنه خرج من المسجد وقال: ما أخرجني إلا القصاص ولولاه ما خرجت وقال ضمرة: قلت للثوري رحمه الله نستقبل القاص بوجهنا فقال: ولّوا البدع ظهوركم وقال ابن عون: دخلت على ابن سيرين فقال: ما كان اليوم من خبر؟ فقلت: نهى الأمير القصاص أن يقصوا، وحدثنا عن أبي معمر عن خلف بن خليفة قال: رأيت سياراً أبا الحكم يستاك على باب المسجد وقاصّ يقص في المسجد فجاءه رجل فقال: يا أبا الحكم إن الناس ينظرونك فقال: إني في خير مما هم فيه أنا في سنة وهم في بدعة وقد فعل الأعمش أبلغ من ذلك دخل البصرة وكان فيها غريباً فنظر إلى قاصّ في الجامع وهو يقول: حدثناالأعمش عن أبي إسحاق وحدثنا الأعمش عن أبي وائل قال: فتوسط الأعمش الحلقة ورفع يده وجعل ينتف شعر إبطه فبصر به القاصّ فقال: يا شيخ ألا تستحي نحن في علم وأنت تفعل هذا؟ فقال له الأعمش: الذي أنا فيه أفضل من الذي أنت فيه، قال: كيف؟ قال: لأني في سنة وأنت في كذب، أنا الأعمش وما حدثتك مما تقول شيئاً فلما سمع الناس ذكر الأعمش انفضوا عن القاص واجتمعوا حوله وقالوا حدثنا يا أبا محمد، وأخبرونا عن محمد بن أبي هارون أن إسحاق حدثه قال: صليت مع الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه صلاة العيد فإذا قاصّ يقص يلعن المبتدعة ويذكر السنة فلما قضينا الصلاة وصرنا ببعض الطريق ذكر أبو عبد الله القاص فقال ما أنفعهم للعامة وإن كان عامة ما يحدثون به كذباً وأخبرت عن محمد بن جعفر أن أبا الحرث حدثه أنه سمع الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه يقول أكذب الناس القصاص والسؤال وحدثونا عنه أيضاً أنه قال: ما أحوج الناس إلى قاصّ صدوق لأنهم يذكرون الميزان وعذاب القبر قلت له: أنت تحضر مجالسهم؟ قال: لا. وروينا عن حبيب بن أبي ثابت عن زياد النميري قال: أتيت أنس بن مالك وهو
512 · ص260 · ج2
وقال بعضهم: إني لأستعد النية في كل شيء قبل الدخول فيه حتى في أكلي ونومي ودخولي الخلاء، والنية في هذا التقوي على الطاعة والاستعانة به على الخدمة لأنّ النفس مطيتك إن قطعت بها قطعت بك ونية التطهر من التحلي لأجل الدين فكان الناس لشدة تفقدهم وحسن رعايتهم صادقين في ترك كثير من أعمال البرّ لضعف النية ويعملون في أحكام الأصل، قال ابن عيينة: إنما حرموا الوصول لتضييع الأصول، والنية أصل الأصول لأنها فرض الفرائض، وقال بعضهم: إنما أبعد القلب من الله عزّ وجلّ مظاهر أعمال الجوارح بغير مواطأة من القلب بصحة القصد؛ يعني بذلك نقص الإخلاص بها لأجل الله تبارك وتعالى، فالنكاح من معظم شأن الدين فنيته فيه أن لا يتزوج المرأة لجمالها ولا لمالها ولا لحسنها بل لدينها وعقلها، ثم ينوي السنّة لها والعفة والتحصين لهما، ويقنع بالمرأة الدون عن غيرها. وفي الخبر: من نكح لله عزّ وجلّ وأنكح لله تعالى استحق ولاية الله تعالى، وأفضل الأعمال ما دخل فيه للّّه عزّ وجلّ وخرج منه لله ولم يعتوره بعد ذلك علة، وأعلى من هذا من دخل في الأعمال بالله عزّ وجلّ وثبت فيها مع الله وخرج منها بالله تعالى، وهذا مقام الموحدين من الموقنين والعارفين، فأصح الأعمال وأخلصها ما كان لله تبارك وتعالى هو الأوّل في أولها، ومع العامل في أوسطها، وللعبد عنده فيها، والله تعالى هو الآخرة عند آخرها، ثم لايظهرها بعد ذلك ولايتظاهر بها ولايطالع عوضًا عنها من الكبر الأكبر، بل ينساها ويشتغل بذكر مولاه عنها، والقعود في المساجد من أفضل شأن الدين وفضائل أعمال المتقين، فليكن له فيه عشر نيّات منها زيارة مولاه عزّ وجلّ في بيته، كما روي: من قعد في المسجد فقد زار الله تعالى وحق على المزور إكرام زائره، ومنها انتظار الصلاة بعد الصلاة، كما روي في معنى قوله تعالى: ورابطوا وهي المرابطة ومنها كفّ سمعه وبصره وترهبه في تألهه، كما روي: رهبانية أمتي القعود في المساجد، ومنها العكوف وحقيقته عكوف الهمّ على القلب، وعكوف السرّ بالتأله إلى اللّّه عزّ وجلّ، ومنها ذكر الله تعالى واستماع ذكره والتذكير به، كما روي: من غدا إلى المسجد يذكر الله تعالى ويذكر به كان كالمجاهد في سبيل الله، ومثل ذلك إذا جلس ليعلم علمًا أو يتعلّمه كان أيضًا كالمجاهد، أو جلس لاستفادة أخ في الله عزّ وجلّ أو لتنزل رحمه الله أو لترك الذنوب للخشية والحياء، كما روينا في حديث الحسن بن عليّ عليهما السلام: من أدمن الاختلاف إلى المساجد رزقه الله تعالى إحدى سبع خصال: أخًا مستفادًا في اللّّه تعالى، أو رحمة مستنزلة، أو علمًا مستظرفًا، أو كلمة تدلّه على هدى أو تصرفه عن ردى، أو ترك الذنوب خشية أو حياء منه، فإخلاص النية هو بخروج أضدادها من القلب وعن القصد والهمة وإن كثر أعداده