← المكتبة ▭ صفحة واحدة
الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها
سعيد بن ناصر الغامدي الفرق والأديان والردود
A− A+
189 · ص190 · ج1
وممارسته الكتابية الداعية إلى العبث، ويسعى هو وصنوه أدونيس إلى نشر هذا الوباء الأدبي الذي يُمكن أن يودي بأشياء كثيرة فكرية وأدبية لو أتيح له أن ينتشر. ومن كلام أنسي الحاج في هذا الصدد ما قاله في صراحة فجة: (العدم حقيقة حقًا: إنه فراغي أنا، عدمي الداخلي، حيث لم أشأ أو لم أعرف أن أمتلئ، أن أمتلئ بالنور بالظلام، بكل ما يملأ، بكل ما يُفرغ ويطحن ويلوث ويطهر، بكل هذه العوالم المحتشدة بكل هذه التي قد تكون مجموعة فراغات، ولكن كل الحياة، حياة العصور كلها، لا تكفي لاستهلاكها. ومع ذلك لا أستطيع إلّا أن أعجب أيضًا بمن ينكرك يا إلهي. . . وأمضي فأصل إلى النتيجة: إعجابى بثورة الملحد وتجديفه سببه حريته المطلقة. . .) ١. وبهذا الإعلان يربط الحاج بين مدلولات حداثية عديدة أولها الإلحاد الذي يثير إعجابه، ثم العدم الذي يعتبره حقيقة، ثم النتاج الأدبي الإبداعيّ الذي يرسم هذه الدعاية الفكرية ويسوّقها في الكتب والمجلات والأندية والمحافل الثقافية. وما "قصيدة النثر" الخالية من كل قيود القصيدة القديمة والحديثة ومن كل مضامين الخلق والقيم والعقيدة إلّا صورة من صور هذا الركام ٢. وإذا أردنا تقصي ظاهرة العبثية في الحداثة العربية فإننا نجدها قد نبتت مع أول المحاولات الحداثية من السياب وجيله، فها هو السياب يعبر عن هذا المعنى على لسان المومس العمياء في صيغة ريبية فيقول: (وخلاصك الموعود والغبش الإلهي الكبير!
١ خواتم: ص ٧٤ - ٧٥. ٢ انظر: مجلة الأدب الإسلامي، عدد ٤، ربيع الثاني ١٤١٥ هـ: ص ٤٦ مقال بعنوان "ظاهرة العبث في الشعر العربي المعاصر" لرجاء النقاش.
190 · ص191 · ج1
ما كان حكمة أن تجيء إلى الوجود وأنت تموت؟) ١ أمّا نازك الملائكة ٢ فعلى الرغم من تحفظاتها على الحداثة عقيدة ومسلكًا ومحاولاتها كسر حدتها إلّا أنها كانت من أوائل من نشروا هذا المذهب ونصروه ودعوا إليه، ولم يتبين لها خطورة ما فعلت إلّا بعد فوات الأوان، وكان مما قالته في قضية عبث الحياة والوجود والشك في غاية الوجود الإنسانيّ: (هكذا جئت للحياة وما أد … ري إلى أين سوف تمضى الحياةُ وسأحيا كما يشاء لي المجـ … ــــــهول حيرى تلهو بى الظلماتُ ها أنا الآن حيرة وذهول … بين ماض ذوى وعمر يَمرُّ لست أدري ما غايتي في مسيري … آه لو ينجلي لعيني سرُّ) ٣ وتقول أيضًا: (ماذا وراء الحياة؟ ماذا أي غموض وأي سِرّ
١ ديوان السياب: ص ٥٤١. ٢ نازك الملائكة ولدت في بغداد عام ١٣٤٢ هـ/ ١٩٢٣ م لأبوين شاعرين، درست في دار المعلمين العالمية ثم توجهت إلى أمريكا لدراسة الإنجليزية وآدابها، تجيد عدة لغات وعندها عدة شهادات، وعملت أستاذة في كلية التربية في جامعة البصرة، تعتبر من رواد الحداثة ومن أوائل الذين رسخوا الشعر الحر، ولكنها ما لبثت -بعد أن اكتشفت فداحة الجناية الحداثية- أن نقدت الحداثة وخاصة في شقها الفنيّ. انظر: تاريخ الشعر العربي الحديث: ص ٦٧٧، والصراع بين القديم والجديد ٢/ ١٢٧٧. ٣ ديوان نازك الملائكة ١/ ٢٨ - ٢٩، وفي ص ٣٦٢ كررت هذا القول.