← المكتبة ▭ صفحة واحدة
محاضرة في علم الرجال وأهميته - ضمن «آثار المعلمي»
عبد الرحمن المعلمي اليماني علوم الحديث 1386 هـ
A− A+
11 · ص226 · ج15
وفي جواب سليمان لهشام لطيفة، حيث لم يقل: "أمير المؤمنين أعلم" ويسكت، بل قال: "أعلم بما يقول" أي: أعْلمُ بقول نفسه، لا أعلم بحقيقة الحال، ولكنّ المقام لم يكن لتُغني فيه مثل هذه الإشارة، فلذلك قيّض الله تعالى الزُّهريّ ووفّقه فقال ما قال. وقوله لهشام ــ وهو الملك ــ: "لا أبا لك" جرأةٌ عظيمة. وكانوا من الورع وعدم المحاباة على جانب عظيم، حتى قال زيد بن أبي أُنَيسة: أخي يحيى يكذب ١. وسُئل جرير بن عبد الحميد عن أخيه أنس، فقال: قد سمع من هشام بن عروة، ولكنّه يكذب في حديث الناس فلا يكتب عنه ٢. وروى عليُّ بن المديني عن أبيه، ثم قال: "وفي حديث الشيخ ما فيه" ٣! وأشار إلى تضعيفه غير مرّة. وقال أبو داود: ابني عبد الله كذّاب ٤. وكان الإمام أبو بكر الصِّبْغي ينهى عن السماع من أخيه محمد بن إسحاق ٥.
١ "تهذيب التهذيب" [١١/ ١٨٤] ترجمة يحيى. [المؤلف]. ٢ "لسان الميزان" ترجمة أنس. [المؤلف]. وهو في "الجرح والتعديل": (٢/ ٢٨٩). ٣ "تهذيب التهذيب" [٥/ ١٧٥] ترجمة عبد الله بن نجيح. [المؤلف]. ٤ "لسان الميزان" ترجمة عبد الله. [المؤلف]. وانظر "الكامل": (٥/ ٤٣٦). ٥ انظر ترجمة محمد في "لسان الميزان". [المؤلف]. وهو في "الميزان": (٤/ ٣٩٨) ذكره الحاكم عنه.
12 · ص227 · ج15
حفظ علماء السلف لتراجم الرجال كان الرجل لا يسمى عالمًا حتى يكون عارفًا بأحوال رجال الحديث؛ ففي "تدريب الراوي" ١: "قال الرافعي وغيره: إذا أُوصيَ للعلماء لم يدخل الذين يسمعون الحديث، ولا عِلْم لهم بطرقه، ولا بأسماء الرواة ... وقال الزركشي: أما الفقهاء؛ فاسم المحدِّث عندهم لا يُطلق إلا على من حفظ متن الحديث، وعَلِم عدالةَ رواته وجرحها ... وقال التاج السبكي: ... إنما المحدِّث مَن عَرَف الأسانيد والعلل وأسماء الرجال ... ". وذَكَر عن المِزِّي أنه سُئل عمن يستحق اسم الحافظ، فقال: "أقل ما يكون أن يكون الرجال الذين يعرفهم ويعرف تراجمهم وأحوالهم وبلدانهم أكثر من الذين لا يعرفهم؛ ليكون الحكم للغالب" ٢. فكان العالم يعرف أحوال من أدركهم؛ إما باختباره لأحوالهم بنفسه، وإما بإخبار الثقات له، ويعلم أحوال من تقدمه بإخبار الثقات، أو بإخبار الثقات عن الثقات، وهكذا، ويحفظ ذلك كله، كما يحفظ الحديث بأسانيده، حتى كان منهم من يحفظ الألوف، ومنهم من يحفظ عشرات الألوف، ومنهم من يحفظ مئات الألوف بأسانيدها ٣. فكذلك كانوا يحفظون تراجم الرواة بأسانيدها، فيقول أحدهم: أخبرني فلان أنه سمع فلانًا قال: قال فلان: لا تكتبوا عن فلان فإنه كذاب، وهكذا.
١ (١/ ٣٠ - ٣٥). ٢ المصدر نفسه (١/ ٣٧). ٣ انظر مقدمة "تدريب الراوي". [المؤلف].