7 · ص302 · ج6
مقدِّمة
الشفاعة في اللُّغة مأخوذة من الشَّفع، وهو مقابل الوتر، ويقال (شفَعَه) أي: انضمَّ إليه، فصار معه شفعًا.
قال الراغب: "والشفاعة الانضمام إلى آخر، ناصًرا له وسائلًا عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى حرمةً ومرتبةً إلى من هو أدنى" ١.
أقول: وكأنَّ (شَفَع) ضُمِّن معنى سأل ورغب، فقولهم: (شفعتُ لزيدٍ إلى فلان) كأنَّ تقديره: شفعتُ زيدًا سائلًا له قضاء حاجةٍ راغبًا إلى فلان، وقولهم: (شفعت إلى زيدٍ في فلان) كأنَّ أصله: شفعتُ فلانًا راغبًا إلى زيدٍ في شأنه.
إنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم كلَّم بريرة بعد أن أعتقتها زوجته عائشة أن تقيم مع زوجها، فقالت: أتأمرني؟ قال: "لا، إنَّما أنا شافعٌ". قالت: لا حاجة لي فيه ٢! فلم يلمها النَّبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في ردِّها شفاعته.
ويعلم من هذا أنَّ الشافع ينزل نفسه منزلة من يرغب في حاجةٍ لنفسه، إن شاء المشفوع إليه قبل، مكرمًا له، وإن شاء أبى. وأنَّه ليس من شأن الشافع أن يغضب على المشفوع إليه إذا أبى، ولا يتكدَّر منه، وإلَّا لم يكن شافعًا بل آمرًا.
وعُلِم منه أيضًا أنَّه ليس من شرط الشفاعة أن تكون من أدنى لأعلى،
١ "مفردات القرآن" (٤٥٧).
٢ أخرجه البخاري (٥٢٨٣) وغيرها، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
8 · ص303 · ج6
ولكن من شرطها أن لا يكون الشافع مالكًا للحاجة، فلا يتصوَّر في حقِّ الله تبارك وتعالى أن يشفع إلى أحدٍ؛ لأنَّه مالك الملك كله، وقد جاء في الحديث: ["فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبَّار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضةً من النار، فيخرج أقوامًا قد امتُحِشوا، فيُلقَون فى نهرٍ بأفواه الجنة، يُقال له: ماء الحياة، فينبتون فى حافتيه كما تنبت الحِبَّة فى حميل السيل .. " ١] ٢.
فصلٌ
والشفاعة عند الله عزَّ وجلَّ أقسام:
الأول: شفاعة إنسان في هذه الحياة الدنيويَّة لحيٍّ أو ميتٍ، والغالب في هذه تسميتها (دعاء)، وفيها مباحث:
الأول: في حكم طلب الدعاء: اتفقت الأمة على جواز طلب الدعاء ممَّن هو حيٌّ هذه الحياة الدنيا طلبًا عاديًا، كأن يخاطب السائل المسئول وهو حاضرٌ عنده، أو يكتب إليه كتابًا، أو يرسل إليه رسولًا، أو نحو ذلك.
فأمَّا أن يهتف به وهو غائبٌ، بحيث يعلم أنَّه لا يسمع كلامه بحسب العادة فلا، وقد أوضحت حكم ذلك في "رسالة العبادة".
وذكر بعض أهل العلم ٣ أنَّ طلب الدعاء لا يخلو من كراهية، واستدلَّ
١ أخرجه البخاري (٧٤٣٩) وغيره، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
٢ بيَّض المؤلّف للحديث فأتممته.
٣ لعلّه ابن تيمية، ينظر قوله في "مجموع الفتاوى" (١/ ١٨٢)، وغيرها.