1237 · ص539 · ج11
[٢/ ٣٥١] الثالث: أن يكون يخص اسمَ الجسم بما يستلزم المحذور، ويرى أن ما ثبت لله عز وجل بما ذكره في عبارته السابقة من الفوقية والنزول كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا، والمجيء يوم القيامة، وغير ذلك= لا يقتضي أنْ يسمَّى جسمًا، وإن كان يستلزم ما يسمِّيه غيرُه جسمية. وأيًّا ما كان فلنَدَع الأشعري، وننظر في أصل القضية.
احتجَّ مثبتو الأينية مع النصوص الشرعية وإجماع السلف بأنه لا يُعقل الوجودُ بدونها. وهذا من أجلى البديهيات وأوضح الضروريات.
أجاب المتعمقون بأن هذه بديهية وهمية. قال الغزالي في «المستصفى» (ج ١ ص ٤٦): «السادس: الوهميات. وذلك مثل قضاء الوهم بأن كل موجود ينبغي أن يكون مشارًا إلى جهته، فإنَّ موجودًا لا متصلًا بالعالم ولا منفصلًا عنه، ولا داخلًا ولا خارجًا= مُحالٌ، وأن إثباتَ شيء مع القطع بأن الجهات الستَّ خالية عنه مُحالٌ ... ومن هذا القبيل: نفرةُ الطبع عن قول القائل: ليس وراء العالم خلاء ولا ملأ ١. وهاتان قضيتان وهميتان كاذبتان. والأولى منهما ربما وقع لك الأنسُ بتكذيبها لكثرة ممارستك للأدلة العقلية الموجبة إثباتَ موجودٍ ٢ ليس في جهة ... وهذه القضايا مع أنها وهمية، فهي في النفس لا تتميز عن الأوليات القطعية ... بل يشهد به أول الفطرة كما يشهد بالأوليات العقلية».
قال المثبتون: أما أن القضية بديهية فطرية، فحقٌّ لا ريب فيه. وأما زعمُ
١ كذا في (ط) هنا وفي المواضع الآتية، وفي «المستصفى» وكتب المتكلمين والفلاسفة: «ملاء» مراعاة لـ «خلاء».
٢ (ط): «وجود». والتصويب من المستصفى.
1238 · ص540 · ج10
هو ابن يحيى بن الضريس، فنعترف له بأن الظاهر هنا أنه هو أيضًا، وإن لم نعرف له رواية عن ابن أبي سريج، لكن هو المشهور في تلك الطبقة [١/ ٣٢١] والمتبادر عند الإطلاق. ويبقى النظر في ابن حمدان.
فأما رواية أبي الشيخ، فلم أقف عليها. فإن ثبتت عنه بقي النظر في حال أبي العباس الجمال. وقد ذكره أبو الشيخ وأبو نعيم ١، فوصفاه بالعلم، ولم يوثقاه (*).
فأما ما في «المنتظم»، فمأخوذ من رواية الخطيب. وكذلك ما في «طبقات الفقهاء» مأخوذ من رواية أبي الشيخ. فابن حمدان والجمال ــ على اصطلاح الأستاذ ــ: مجهولا ٢ الصفة، فأين هما من ابنِ أبي حاتم؟ ومحمدُ بن أيوب بن يحيى الضريس وإن كان ثقة ثبتًا إلا أنه دون أبي حاتم، مع أن هناك احتمالًا أن محمد بن أيوب هو ابن هشام، وهذا الاحتمال وإن كان خلاف الظاهر لكنه لا يُهدر عند الحاجة إلى الترجيح.
فأما رواية ابن عبد البر، ففي سندها أحمد بن الفضل، وهو ــ كما قال الأستاذ ــ «الدِّينَوَري». له ترجمة في «لسان الميزان» (ج ١ ص ٢٤٦) ٣ وفيها عن الحافظ ابن الفرضي « ... وكان عنده مناكير، وقد تسهَّل فيه الناسُ وسمعوا منه كثيرًا. وقال أبو عبد الله محمد بن يحيى: لقد كان بمصر يلعب به الأحداث ويسرقون كتبه، وما كان ممن يُكتَب عنه». وفيها عن أبي عمرو
١ «طبقات المحدثين»: (٤/ ٢٢٠)، و «تاريخ أصبهان»: (١/ ١٦١).
٢ (ط): «مجهول» والصواب ما أثبت.
٣ (١/ ٥٧٧).