← المكتبة ▭ صفحة واحدة
التعقيب على تفسير سورة الفيل للفراهي - ضمن «آثار المعلمي»
عبد الرحمن المعلمي اليماني التفسير 1386 هـ
A− A+
227 · ص194 · ج8
الفخر فإن العرب لا ترى رمي العدوّ بالحجارة فخرًا، بل قال الأعشى ١: ولا نُقاتل بالعِصِيـ ... يِ ولا نُرامي بالحجاره مع أن المقام ليس مقام مدح ولا ذم. فإن قلتَ: قد يقال إن الخطاب في {تَرْمِيهِمْ} جاء تبعًا للخطاب في {أَلَمْ تَرَ}، فيقبل هذا بشفاعة ذاك. قلتُ: إنما يسوغ هذا لو كان الخطاب في {أَلَمْ تَرَ} من هذا الأسلوب، وهو أن ينسب إلى الأبناء ما وقع من الآباء، وليس كذلك، فإن {أَلَمْ تَرَ} بمعنى "قد علمت"، والعلم ثابت للمتأخر نفسه. فإن قيل: فاجعل الرؤية بصرية على ظاهرها، فيكون المعنى: "قد أبصرت"، كما في قوله في آيات البقرة التي تقدم التمثيل بها: {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [البقرة: ٥٠]. قلتُ: هذا إنما يقوم على دعوى أن يكون قوله {أَلَمْ تَرَ} من هذا الأسلوب، أعني أن ينسب إلى الأبناء ما وقع للآباء، فيرِد عليه الوجهان السابقان، وثالث وهو مخالفته لظاهر ارتباط السورة بما قبلها ببنائها على الوعيد والتهديد. [ص ٥٥] واعلم أنّ المعلِّم رحمه الله إنما اعتنى بتطبيق ما قاله من الخطاب في {تَرْمِيهِمْ} على الخطاب في {أَلَمْ} لأن السورة كلام واحد،
١ الخزانة (١/ ٨٣). [المؤلف]. طبعة هارون (١/ ١٧٣)، وانظر: ديوان الأعشى (٢٠٩).
228 · ص195 · ج8
وما بعد الآية الأخرى تفسير لها. والكلام الواحد إذا كان في أوله خطاب، ثم تلاه خطاب آخر، فلا يكون الثاني إلا للمخاطب بالأول، إلّا أن يكون الثاني أعمّ من الأول، كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق: ١]، أي إذا طلقت أنت أو أحد من أمتك. ومثلها قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: ٨ ــ ٩]. والنبي صلى الله عليه وآله وسلم مكلّف بالإيمان بأنه رسول الله. والتعزير هنا: النصر، كما روي عن جابر مرفوعًا ١. والتوقير: التعظيم، كما روي عن قتادة وغيره ٢. والضميران عائدان إلى الله عزَّ وجلَّ، كما هو الحال في قوله: {وَتُسَبِّحُوهُ}. وفي الآية وجوه أخرى تنفي ما توهمه بعضهم من مخالفة القاعدة المذكورة ٣. فأما قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [هود: ١٣ ــ ١٤]، فالخطاب في قوله: {فَأْتُوا} وما بعده كله للكفار، والمعنى كما هو ظاهر:
١ أخرجه ابن عدي، وابن مردويه، والخطيب، وابن عساكر في تاريخه. قاله السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٥١٦) ط دار الفكر. ٢ المرجع السابق، وتفسير الطبري (٢١/ ٢٥١) ط دار هجر. ٣ راجع: روح المعاني (٨/ ١٤٣).