43 · ص44 · ج5 ب
وإنما يكون الأمر بالتسوية أمرًا بالتخفيف، إذا أُرِيد بها التسوية بالأرض، فأما تسوية القبر في نفسه، فإنها تمكن مع كثرة التراب، كما تمكن مع قِلّته.
والصحابيُّ لم ينقل لفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنصِّه [ص ٤٨] حتى يسوغ لنا أن نستقلَّ بفهمه، وإن خالف فهم الصحابي، وإنما مُؤدَّى كلامه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمر بتسوية القبور التسويةَ المقتضية لتخفيف التراب، أي: أن بيان كون التسوية المأمور بها هي التي تقتضي تخفيف التراب مرفوعٌ تقوم به الحجة.
وقد قال الباجي في "شرح الموطأ" ١: وقال ابن حبيب: "وتسويتها بالأرض".
ويؤيد هذا ما سيأتي ٢ في حديث علي رضي الله عنه: "ولا قبرًا مُشْرفًا إلا سوَّيته".
فجعل التسوية إزالة الإشراف، والإشراف هو الارتفاع، أعمّ من كون القبر متساويًا في نفسه، أو غير متساوٍ، فالتسوية التي هي إزالة الإشراف، هي التسوية بالأرض، كما هو واضح.
[ص ٤٩] أقول: أما الآية؛ فلا يتعين فيها هذا المعنى، أعني التسوية بالأرض، بل يصح أن يكون المراد تسوية بلادهم في نفسها، أي: جعلها متساوية الأجزاء، وهذا كناية عن الخراب البالغ، فإن البلاد العامرة تكون
١ (٢/ ٤٩٤) وقد سبق النص قريبًا.
٢ لم يأت شيء، وإنما في المبيضة.
44 · ص45 · ج5 ب
متفاوتة بارتفاع الأبنية على العرصات، وارتفاع بعض الأبنية على بعض، وإنما تتساوى إذا خَرِبت الخراب البالغ.
والإنصاف أن التسوية إذا أُطلقت كان المراد بها تسوية الشيء في نفسه، ولا تُحْمل على التسوية بالأرض إلا بقرينة.
وعليه، فالظاهر حمل التسوية في الحديث على التسوية بالأرض للقرينة، وهي قوله: "أخِفُّوا عنه"، أو "خَفِّفوا"، كما تقدم.
[ص ٥٠] وكذا يقال في حديث علي رضي الله عنه: إن جَعْل التسوية منافية للإشراف قرينة تدل أن المراد التسوية بالأرض، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقد مرَّ ١ عن "كنز العمال" ٢: "سوّوا القبور على وجه الأرض إذا دفنتم" ٣. فإن صحَّ فهو صريحٌ في التسوية بالأرض، إذ لا يصح أن يقال: إن قوله: "سووا القبور" أمرٌ بتسويتها في ذاتها، و"على وجه الأرض" حال، إذ لا معنى للحال، فالقبور على وجه الأرض على كلِّ حال.
فيحتمل أن يكون المراد: تسوية القبور بالنظر إلى جميعها، أو تسوية كل قبر في حد ذاته.
فعلى الأول يكون المراد بأن تُجْعَل متساوية، أي: بأن تكون كلها على
١ كذا قال المصنف، والذي مرّ (ص ٣٧) أثر عثمان "أنه كان يأمر بتسوية القبور".
٢ رقم (٤٢٣٨٧). وانظر "المبيَّضة" (ص ٢٠).
٣ كتب المصنف عقبه: "طب عن فضاله بن عبيد، ولا أدري ما صحته" ثم ضرب عليها. والأثر أخرجه الطبراني في "الكبير": (١٨/رقم ٨١٢).