← المكتبة ▭▭ صفحتان
الحسبة في الإسلام أو وظيفة الحكومة الإسلامية - ابن تيمية - العلمية
ابن تيمية كتب ابن تيمية
A− A+
23
رجلاً من الأزد يقال له ابن الكتبية على الصدقات ، فلما رجع حاسبه ، فقال : هذا لكم وهذا أهدي إلي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما بال الرجل نستعمله على العمل بما ولانا الله ، فيقول : هذا لكم وهذا أهدي إلي . أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فينتظر أيهدى له أم لا ؟ والذي نفسي بيده لا نستعمل رجلاً على العمل مما ولأنا الله فيغلُّ منه شيئاً إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته : إن كان بعيراً له رغاء ، وإن كانت بقرة لها خوار ، وإن كانت شاة تيعر (۱) . ثم رفع يديه إلى السماء ، وقال : اللهم هل بلغت ؟ اللهم هل بلغت ؟ قالها مرتين أو ثلاثاً (٢). والمقصود هنا أن هذه الأعمال التي هي فرض على الكفاية ، متى لم يقم بها غير الإنسان صارت فرض عين عليه ، لا سيما إن كان غيره عاجزاً عنها ، فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم ، صار هذا العمل واجباً يجبرهم ولي الأمر عليه إذا امتنعوا عنه بعوض المثل ، ولا يمكنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل ، ولا يمكن الناس من ظلمهم بأن يعطوهم دون حقهم كما إذا احتاج الجند المُرْصَدُون للجهاد إلى فلاحة أرضهم ألزم من صناعته الفلاحة بأن يصنعها لهم ، فإن الجند يُلزمون بأن لا يظلموا الفلاح ، كما ألزم الفلاح أن يفلح للجند · والمزارعة جائزة في أصح قولي العلماء ، وهي عمل المسلمين على عهد نبيهم وعهد خلفائه الراشدين ، وعليها عمل آل أبي بكر وآل عثمان وآل علي وغيرهم من بيوت المهاجرين ، وهي قول أكابر الصحابة كابن مسعود ، وهي مذهب فقهاء الحديث كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وداود بن علي والبخاري ومحمد بن إسحاق بن خزيمة وأبي بكر بن المنذر وغيرهم، ومذهب الليث بن سعد وابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وغيرهم من فقهاء المسلمين(۳) وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد عامل أهل خيبر بشرط ما يخرج منها من ثمر وزرع حتى مات ولم تزل تلك المعاملة حتى أجلاهم عمر عن خيبر ، وكان قد شارطهم أن (1) اليُعَار : الشديد من أصوات الشاء يَعَرَتْ تَبْعَرُ وتَبْعِرُ ( لسان العرب : مادة يعر ) . (۲) رواه البخاري في صحيحه ( ٣٤٨/١٢ ) ومسلم في صحيحه ( ١٢ / ٤٦٠ ) . (۳) انظر مذهب الفقهاء في ذلك في المغني لابن قدامة ( ٥٨١/٥ ) . ٢٦