← المكتبة ▭▭ صفحتان
المذهب الحنبلي دراسة في تاريخه وسماته - التركي 01-02
عبد الله بن عبد المحسن التركي فقه حنبلي
A− A+
7
من خالفهم من الطوائف، ولا يثني من عزيمتهم كثرة الأهواء وتشعب الملل والنحل والآراء، المتنكبة عن الصراط السوي والحبل القوي الذي هو كتاب الله وسنة رسوله . ومن تلك الطائفة المنصورة، والجماعة المحبورة ، حَمَلة العلم المعتبرون ودعاته ورواته، فهم العدول من كل خَلَف ، وهم القدوة الصالحة في كل جيل ؛ يعلمون الناس دين نبيهم، وينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، سواء كانوا من زمرة الفقهاء، أم من جملة المحدثين، أم مـن عــداد المفسرين أم من غيرهم، كعلماء اللغة والأصول والتاريخ والأنساب، وسائر فنون المعارف التي تخدم الشريعة . ولما كان الفقه الإسلامي يستمد لحمته وسداه من العلوم المشار إليها ، فإنه ما من شك يمكن أن يُساور النفوس في أنه يحتل المرتبة العالية والدرجة السامية من حيث الأهمية والاعتبار، كما يُعد المشتغلون به آخذين بالحظ الأوفر من التركة النبوية، حائزين على القدح المعلى من سهامها . وتلك مكانة مرموقة ودرجة سامقة شريفة، رامها كثير من الطلاب، وانبرى لها ثلة ممن أراد الله بهم خيراً ، وذلك مصداقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (۱) . فظهر الفقهاء في هذه الأمة، في كل جيل من الأجيال منهم طائفة، وفي كل مصر من الأمصار منهم ثلة ، حتى تكون منهم في تاريخ الإسلام طبقات تعد بالألوف ، مــن الصحابة، إلى التابعين، إلى الأئمة المجتهدين الذين عرفوا فيما بعد بمذاهب وطرائق في الاجتهاد والاستنباط ، وانتسب إليهم من جاء بعدهم على توالي القرون، وفي مقدمتهم الأئمة الأربعة : أبو حنيفة ، ومالك والشافعي وأحمد . وكانت إلى جانبهم مذاهب أخرى تألقت وسادت فترة من الزمن، ثم انقرضت (۲) وبادت مع الأيام، كمذهب الثوري والأوزاعي وأبي ثور والليث بن سعد وابن جرير الطبري، وغيرهم. ، . (۱) أخرجه مالك في الموطأ» ۲/ ۹۰۰ ، والبخاري (۷۱) في العلم ، باب من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ومسلم (۱۰۳۷) (۹۸) في الزكاة، باب النهي عن المسألة . كلهم عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه . (۲) الانقراض لا يعني هنا البطلان والانعدام، وإنما يعني تقلص عدد من يقلدهم في جميع اجتهاداتهم إلى حد الندرة، ونحن في عصرنا بحاجة إلى جمع فقه كل إمام مجتهد من أولئك الأئمة الذين لم يكتب لمذاهبهم أن تدون لمعرفة مواطن الإجماع والخلاف، وللاستفادة من تلك الآراء والمذاهب في قضايانا المعاصرة. V