← المكتبة ▭▭ صفحتان
إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز - النورسي
بديع الزمان سعيد النورسي علوم القرآن
A− A+
28
سورة الفاتحة ( الآية : ٤ ) ۲۹ مَالِكِ يَوْمِ الدِّين اي يوم الحشر والجزاء. وجه النظم: : انه كالنتيجة لسابقه ؛ اذ الرحمة من أدلة القيامة والسعادة الأبدية؛ لان الرحمة انما تكون رحمةً، والنعمة نعمةً إذا جاءت القيامة وحصلت السعادة الابدية. وإلا فالعقل الذي هو من أعظم النعم يكون مصيبةً على الانسان، والمحبة والشفقة اللتان هما من ألطف انواع الرحمة تتحولان ألماً شديداً بملاحظة الفراق الابدي. إن قلت : ان الله تعالى مالك لكل شي دائما فما وجه الاختصاص ؟(۱) قلت : للاشارة الى ان الاسباب الظاهرية التي وضعها الله تعالى في عالم الكون والفساد لإظهار عظمته - أي لئلا يرى في ظاهر نظر العقل مباشرة يد القدرة بالامور الخسيسة في جهة مُلك الأشياء - ترتفع في ذلك اليوم وتتجلى ملكوتية كل شئ صافية شفافة، بحيث يرى ويعرف كل شئ سيده وصانعه بلا واسطة. وفي التعبير بلفظ « اليوم » إشارة الى امارة حدسية من امارات الحشر بناء على التناسب البين بين اليوم والسنة، وعمر البشر ودوران الدنيا . كالكائن بين أميال الساعة العادة للثواني والدقائق والساعات والايام. فكما ان من يرى ميلاً أتم دوره يحدس في نفسه ان من شأن الآخر أيضاً ان يتم دوره وإن كان بمهلة كذلك ان من يرى القيامة النوعية المكررة في أمثال اليوم والسنة يتحدس بتولد ربيع السعادة الأبدية في صبح يوم الحشر للإنسان الذي شخصه كنوع. م من انا والمراد من الدين له إما الجزاء، أي يوم جزاء الأعمال الخيرية والشرية، أو الحقائق الدينية، أي يوم طلوعها وظهورها وغلبة دائرة الاعتقاد على دائرة الاسباب؛ لأن الله عز وجل أودع بمشيئته في الكائنات نظاماً يربط الاسباب بالمسببات وألجأ الانسان بطبيعته ووهمه وخياله الى ان يراعي ذلك النظام ويرتبط به. وكذا وجه كل شئ اليه وتنزه عن تأثير الاسباب في ملكه. وكلّف الانسان اعتقاداً وايماناً بان يراعي تلك الدائرة بوجدانه وروحه ويرتبط بها . فقي الدنيا دائرة الاسباب غالبة على دائرة الاعتقاد ؛ وفي الأخرى تتجلى حقائق العقائد غالبة على دائرة الاسباب. واعلم ان لكل من هاتين الدائرتين مقاماً معيناً وأحكاماً مخصوصة، فلابد ان يعطى كل حقه. فمن نظر في مقام دائرة الاسباب بطبيعته ووهمه وخياله ومقاييس (۱) في مالك يوم الدين (ت: ۱۹)