← المكتبة ▭▭ صفحتان
السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة - العامري - ط ابن الجوزي
بريك محمد بريك أبو مايلة العمري السيرة والشمائل
A− A+
9
قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها وسطروها في صفحات الدفاتر ، وأودعوها ، وخلطها المتطفلون بدسائس من الباطل وهموا فيها وابتدعوها ، وزخارف من الروايات المضعفة لفقوها ووضعوها . واقتفى تلك الآثار الكثير ممن بعدهم واتبعوها ، وأدوها إلينا كما سمعوها ، ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يراعوها ، ولا رفضوا ترهات الأحاديث ولا دفعوها ، فالتحقيق قليل وطرف التنقيح في الغالب كليل ، والغلط والوهم نسيب الأخبار وخليل (۱). وقد وصلت إلينا هذه التركة لا على أنها هي تاريخنا ، بل على أنها مادة ، غزيرة للدرس والبحث يُستخرج منها تاريخنا ، وهذا ممكن وميسور إذا تولاه من يلاحظ مواطن القوة والضعف في هذه المراجع ، وله من الألمعية ما يستخلص به حقيقة ما وقع ، ويجردها عما لم يقع مكتفيا بأصول الأخبار الصحيحة مجردة عن الزيادات الطارئة عليها ) (۲) ) لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل : ولم تحكم أصول العادة ، وقواعد السياسة ، وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني ، ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب ، فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم، والحيد عن جادة الصدق . وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين ، وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثًا أو سمينا ، ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط (۳). ولا شك أن عدم تمحيص المؤرخين للأخبار كما فعلوا في الحديث واكتفاءهم بالقاء العهدة على الرواة المذكورين فى أسانيد الروايات ألقى عبقا (۱) ابن خلدون ، المقدمة (٦) . (۲) محب الدين الخطيب في تعليقه على كتاب العواصم من القواصم لابن العربي (ص۱۷۹) حاشية (٣٠٩) . (۳) ابن خلدون ، المقدمة (۱۳) .