← المكتبة ▭ صفحة واحدة
تيسير التفسير للقطان
إبراهيم القطان التفسير 1404 هـ
A− A+
595 · ص199 · ج1
المَثَلَ: الحال الغريبة. الامتراء: الشك. الابتهال: الملاعنة، ثم شاع استعماله في الدعاء. «روي في سبب نزول هذه الآية ان وفد نجران وعلى رأسهم السيد العاقب قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: مالك تشتم صاحبنا؟ قال: ما أقول؟ قالوا: هل رأيت إنساناً من غير أب، ان كنت صادقاً فأرنا مثله. فأنزل الله تعالى {ان مثَلل عيسى عند الله كمثل آدم} اي إن شأنه في خلق الله اياه على غير مثال سابقٍ كشأن آدم، فقد خلقه من تراب من غير أُمٍ ولا أب. بل ان خلْقَ آدم أغربُ وأعجب. ذلك ان الله قادر على صنع المعجزات اليت لا تدركها عقولنا، فهو اذا اراد شيئا إنما يقول له كن فيكون. هذا هو الحق من ربك يا محمد في خلق عيسى، لا ما اعتقده النصارى من انه إلَه، ولا ما زعمه اليهود من انه ابن يوسف النجار. دعهم في ضلالهم، واثبُت على يقينك ولا تكن من الشاكّين. وإذا جادلك اليهود في شأن عيسى بعد هذا التنزيل فقل لهم: تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم ندعوا ان يصب الله لعنته على الكاذبين. وقد روي أن النجرانيّين لما دُعوا الى المباهلة قالوا لسيّدهم العاقب: ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم نبوته، وها قد جاءكم بالفصل في أمر عيسى. والله ما باهلَ قوم نبياً الا هلكوا، فإن أبيتم أن تبقوا على دينكم فوادِعوا الرجل وانصرفوا. فأتوا رسول الله محتضناً حفيده الحسين، والحسن وفاطمة وعليّ يشمرون خلفه وهو يقول لهم: أذا انا دعوت فأَمِّنوا فملا رآهم كبير النصارى قال لقومه: إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله تعالى ان يزيل جبلاً لأزاله، فلا تباهلوا فتهلكوا» . «وفي صحيح البخاري ومسلم ان العاقب والسيّد أتيا رسول الله فأراد ان يلاعنهما. فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه، فوالله لئن كان نبيا فلاعنَنا لا نفلح أبدا، فقالا له: نعطيك ما سألت، فابعث معنا رجلاً أمينا، فقال: قم يا أبا عبيدة، أنت أمين هذه الأمة» . وفي هذا التحدي ما يدل على قوة يقين صاحبه ويقته بما يقول، اما امتناع نصارى نجران عن المباهلة فدليلٌ على شكّهم في موقفهم وكونهم على غير بينة فيما يعتقدون.
596 · ص199 · ج2
العزة: الغلبة والقوة. يخرصون: يحزرون ويقولون بلا علم. والنهار مبصرا: يعين تبصرون فيه. من سلطان: من حجة او برهان. {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} . لا تحزنْ أيها الرسول لما يقوله المشركون من سُخرية وطعنٍ وتكذيب. {إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً هُوَ السميع العليم} . ولا تظنَّ يا محمد أن حالَهم ستدوم، بل ان العزَّة كلَّها لله، والنصرُ بيدِه، وسسينصُرك عليهم، وهو السميعُ لما يقول من تكذيب الحق، كما يعلم بما يفعلون وما يُضمرون، وسيجازيهم على ذلك. {ألاا إِنَّ للَّهِ مَن فِي السماوات وَمَنْ فِي الأرض} . اعملوا أيها الناس أن الله وحدَه يخضع كلُّ من في السماوات والأرض، فهو الخالِق وهو المالِك وهو المدبّر. ثم بين الله انه لا شريك له ابدا فقال: {وَمَا يَتَّبِعُ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله شُرَكَآءَ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} . إنه هؤلاء المشركين الذين يعبدون غير الله، لا يتّبعون شركاءَ له في الحقيقة، بل أوهاماً باطِلة. وليسوا في ذلك إلا واهمين، يخمِّنُون ويحْدِسون بلا عِلم ولا يقين. بعدما نبَّه الله تعالى على انفرادٍه بالقدرة الكاملة، ووجَّه الأنظارَ الى بعض مجالي تلك القدرة في المشاهدة الكونية، قال: {هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} . إن الله تعالى هو الذي خلَق لكم الليلَ لتستَريحوا فيه من عناءِ العملِ والسعي في النهار، كما خلَق لكم النهارَ مضيئاً لستعَوا فيه الى مصالِحكم، وفي تعاقب الليل والنهار دلائل بينة لقومٍ يسمعون ويتدبرون. ثم شرع في تفنيد نوع آخر من أباطيلهم فقال: {قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الغني لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} . وقال المشركون: لقد اتخذَ الله ولداً، إن الله منزّه عن ذلك، فهو غني عن اتخاذ الولد، لأن الولد مظهر الحاجة الى البقاء، والله باقٍ خالد. {إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بهاذآ} . ليس لديكم من البراهين ما يؤيّد صحةَ ما تقولون وتفترون. {أَتقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ} . لماذا تختلقون على اللهِ أمراً لا اساسَ له من الحقيقة. {قُلْ إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب لاَ يُفْلِحُونَ} . قل لهم ايها الرسول: إن الذين يكذِبون على الله، ويزعمون ان له ولداً لن يُفلحوا ابدا. {مَتَاعٌ فِي الدنيا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العذاب الشديد بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} . سيكون لهم متاع قليل في الدنيا ثم إلَينا مرجعُهم فنحاسبُهم نُذيقهم العذابَ الشديد بسبب كفرهم.