20
المدرس الأول
التفسير الموضوعي [٢]
وينهون عن المنكر، وإنما عاب عليهم هذا التناقض بين قولهم وفعلهم، ولو أنّ كل من يريد أن يأمر غيره بمعروف أو ينهاه عن منكر، لا يفعل ذلك إلا إذا ضبط سلوكه واستقام على الجادة، لما وجدت أحدًا يؤدي هذا الواجب ؛ ولذا قال سعيد بن جبير: "إن لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر إلا من لا يكون فيه شيء، لم يأمر أحد بشيء".
،
ولو قام الأمرون بالمعروف والناهون عن المنكر بواجبهم وفق الضوابط الشرعية، بأن يجعلوا لكل حالة ما يناسبها من الوعظ أو الزجر أو التخويف أو التغيير باليد، وهكذا ، لو فعلوا ذلك كلُّ في موقعه الاجتماعي أو العلمي أو السياسي، وتعاون الجميع في ذلك ؛ لما وجدت مقصرًا أو منحرفا أو متهاونًا في أداء فرائض الله، أو مفسدًا في أرض الله حينذاك تكون الأمة في مجموعها جديرة بشرف الخيرية ، كما قال تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران : ۱۱۰].
والواو لا تفيد ترتيبًا ولا تعقيبًا، إلّا أنّ ذكر أمر قبل أمر آخر له أسراره في تعبيرات القرآن الكريم، وهنا جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سابقا للإيمان بالله ، فدل على مكانته ومنزلته ؛ ولذلك قال الإمام الغزالي في (الإحياء) في مقدمة كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: "أما بعد، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوي بساطه وعمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة، وعمت الفترة، وفشت الضلالة وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد ، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد".
ثم
أخذ الإمام الغزالي يشكو من فساد زمانه ، وما آل إليـه حـال النـاس مـن تقصيرهم في أداء هذا الواجب، ومدى عِظَم أجر من قام به آنذاك، فكان مما
٢٤