29
30
المقدمة الثالثة
أن يكون مطابقاً للفظ من حيث الاستعمال سليما من التكلف عريا من التعسف » ، وصاحبه يسمى ما كان على خلاف ذلك بدع التفاسير
الكشاف
وأما الجواب عن الشبهة التي نشأت من الآثار المروية في التحذير من تفسير القرآن بالرأى فمرجعه إلى أحد خمسة وجوه : أولها - أن المراد بالرأى هو القول عن مجرد خاطر دون استناد إلى نظر فى أدلة العربية ومقاصد الشريعة وتصاريفها ، وما لا بد منه من معرفة الناسخ والمنسوخ وسبب النزول فهذا لا محالة إن أصاب فقد أخطأ في تصوره بلا علم ، لأنه لم يكن مضمون الصواب كقول المثل « رَمْيَةٌ مِن غير رام » وهذا كمن فسر «الم» ! إن الله أنزل جبريل على محمد بالقرآن فإنه لا مستند لذلك ، وأما ما روى عن الصديق رضى الله عنه فيما تقدم في تفسير الآية فذلك من الورع خشية الوقوع فى الخطأ في كل ما لم يقم له فيه دليل أو في مواضع لم تدع الحاجة إلى التفسير فيها ، ألم تر أنه سئل عن « الكلالة » في آية النساء فقال ( أقول فيها برأى فإن كان صواباً فمن الله وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان الخ ) وعلى هذا المحمل ما روى عن الشعبي وسعيد أى أنهما تباعدا عما يوقع في ذلك ولو على احتمال بعيد مبالغة في الورع ودفعاً للاحتمال الضعيف، وإلا فإن الله تعالى ما تعبدنا في مثل هذا إلا ببذل الوسع مع ظن الإصابة . ثانيها : أن لا يتدبر القرآن حق تدبره فيفسره بما يخطر له من بادئ الرأى دون إحاطة
.
بجوانب الآية ومواد التفسير مقتصرا على بعض الأدلة دون بعض كأن يعتمد على ما يبدو من وجه فى العربية فقط ، كمن يفسر قوله تعالى ( ما أصابك من حسنة فمن الله » الآية على ظاهر معناها يقول إن الخير من الله والشر من فعل الإنسان بقطع النظر على الأدلة الشرعية التي تقتضى أن لا يقع إلا ما أراد الله غافلا عما سبق من قوله تعالى « قل كل من عند الله » (۱) أو بما يبدو من ظاهر اللغة دون استعمال العرب كمن يقول في قوله تعالى « وآتينا ثمود الناقة مبصرة » فيفسر مبصرة بأنها ذات بصر لم تكن عمياء ، فهذا من الرأى المذموم
لفساده
(۱) هذا التمثيل للغزالى على أحد تفسيرين ، والمثال يكفي فيه الفرض . وذكر الفخر في تفسير قوله تعالى ( ما أصابك من حسنة فمن الله » أنه جرى على معنى التعليم للتأدب مع الخالق وقوله « قل كل من
عند الله ) جرى مجرى بيان الحقيقة
•