← المكتبة ▭▭ صفحتان
التحرير والتنوير - ابن عاشور - ط الدار التونسية 1-15
محمد الطاهر بن عاشور التفاسير
A− A+
11
12 المقدمة الأولى والمناسبة بين المعنى الأصلى والمعنى المنقول إليه لا يحتاج إلى تطويل . و موضوع التفسير : ألفاظ القرآن من حيث البحث عن معانيه ، وما يستنبط منه وبهذه الحيثية خالف علم القراءات لأن تمايز العلوم - كما يقولون ـ بتمايز الموضوعات ، وحيثيات الموضوعات • هذا وفى عد التفسير علماً تسامح ؛ إذ العلم إذا أطلق ، إما أن يراد به نفس الإدراك ، نحو قول أهل المنطق ، العلم إما تصور وإما تصديق ، وإما أن يراد به الملكة المسماة بالعقل وإما أن يراد به التصديق الجازم وهو مقابل الجهل ، ( وهذا غير مراد في عد العلوم ) وإما أن يراد بالعلم المسائل المعلومات وهى مطلوبات خبرية يبرهن عليها في ذلك العلم وهى قضايا كلية ، ومباحث هذا العلم ليست بقضايا يبرهن عليها فما هى بكلية ، بل هي تصورات جزئية غالباً لأنه تفسير ألفاظ أو استنباط معان . فأما تفسير الألفاظ فهو من قبيل التعريف اللفظى وأما الاستنباط فمن دلالة الالتزام وليس ذلك من القضية . فإذ قلنا إن يوم الدين في قوله تعالى ( مَلك يوم الدين » هو يوم الجزاء ، وإذا قلنا أن قوله تعالى « وحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثلاثون شهراً » مع قوله « وفصاله في عامين » يؤخذ منه أن أقل الحمل ستة أشهر عند من قال ذلك ، لم يكن شيء من ذلك قضية، بل الأول تعريف لفظى ، والثانى من دلالة الالتزام ولكنهم عدوا تفسير ألفاظ القرآن علماً مستقلا أراهم فعلوا ذلك لواحد من وجوه ستة : الأول : أن مباحثه لكونها تؤدى إلى استنباط علوم كثيرة وقواعد كلية ، نزلت منزلة القواعد الكلية لأنها مبدأ لها ، ومنشأ ، تنزيلا للشيء منزلة ما هو شديد الشبه به بقاعدة ما قارب الشيء يعطى حكمه ، ولاشك أن ما تستخرج منه القواعد الكلية والعلوم أجدر بأن يعد علماً . من عد فروعه علماً ، وهم قد عدوا تدوين الشعر علماً لما في حفظه. علماً لما في حفظه من استخراج نكت بلاغية وقواعد لغوية . والثاني أن نقول : إن اشتراط كون مسائل العلم قضايا كلية يبرهن عليها في العلم خاص بالعلوم المعقولة ، لأن هذا اشتراط ذكره الحكماء فى تقسيم العلوم ، أما العلوم الشرعية والأدبية فلا يشترط فيها ذلك ، بل يكفى أن تكون مباحثها مفيدة كمالا علمياً أزاولها ،