← المكتبة ▭▭ صفحتان
إرشاد العقل السليم - أبو السعود - ط دار إحياء التراث العربي 1-9
محمد بن محمد العمادي أبو السعود التفاسير
A− A+
39
٣٩ سورة البقرة آية ٨ - وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ امَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (٢ البقرة في الآخرة والعذاب كالنكال بناء ومعنى يقال أعذب عن الشيء إذا أمسك عنه ومنه الماء العذب لما أنه يقمع العطش ويردعه ولذلك يسمى نقاخا لأنه ينفخ العطش ويكسره وفراتا لأنه يرفته على القلب ويكسره ثم اتسع فيه فأطلق على كل ألم فادح وإن لم يكن عقاباً يراد به ردع الجانى عن المعاودة وقيل اشتقاقه من التعذيب الذى هو إزالة العذاب كالتقذية والتمريض والعظيم نقيض الحقير و الكبير نقيض الصغير فمن ضرورة كون الحقير دون الصغير كون العظيم فوق الكبير و يستعملان في الجثث والأحداث تقول رجل عظيم وكبير تريد جثته أو خطره ووصف العذاب به لتأكيد ما يفيده التنكير من التفخيم والهويل والمبالغة في ذلك والمعنى أن على أبصار هم ضرباً من الغشاوة خارجا مما يتعارفه الماس وهي غشاوة التعامى عن الآيات ولهم من الآلام العظام نوع عظيم لا يبلغ كنهه ولا يدرك غايته اللهم إنا نعوذ بك من ذلك كله يا أرحم الراحمين . ( ومن الناس ) شروع فى بيان أن بعض من حكيت أحوالهم السالفة ليسوا بمقتصرين على ٨ ما ذكر من محض الإصرار على الكفر والعناد بل يضمون إليه فنوناً أخر من الشر والفساد وتعديد لجناياتهم الشنيعة المستتبعة لأحوال هائلة عاجلة وآجلة وأصل ناس أناس كما يشهد له إنسان و أناسى و أنس حذفت همزته تخفيفاً كما قيل لوقة فى الوقه وعوض عنها حرف التعريف ولذلك لا يكاد يجمع بينهما وأما ما في قوله | إن المنايا يطلعن على الإناس الآمنينا | فشاذ سموا بذلك لظهورهم وتعلى الإناس بهم كما سمى الجن جناً لاجتنانهم وذهب بعضهم إلى أن أصله النوس وهو الحركة انقلبت واوه ألفاً لتحركها وانفتاح ماقبلها و بعضهم إلى أنه مأخوذ من نسى نقلت لامه إلى موضع العين فصار نيساً ثم قلبت ألفاً سموا بذلك لنسيانهم ويروى عن ابن عباس أنه قال سمى الإنسان إنساناً لأنه عهد إليه فنسى واللام فيه إما للعهد أو للجنس المقصور على المصرين حسبما ذكر فى الموصول كأنه قيل ومنهم أو من أولئك والعدول إلى الناس للإيذان بكثرتهم كما ينبيء عنه التبعيض و محل الظرف الرفع على أنه مبتدأ باعتبار مضمونه أو نعت ابتدأ كما في قوله عز وجل ومنا دون ذلك أى وجمع منا الخ ومن في قوله تعالى ( من يقول ) موصولة . موصوفة ومحلها الرفع على الخبرية والمعنى وبعض الناس أو وبعض من الناس الذي يقول كقوله تعالى ومنهم الذين يؤذون النبي الآية أو فريق يقول كقوله تعالى من المؤمنين رجال الخ على أن يكون مناط الإفادة والمقصود بالأصالة اتصافهم بما فى حيز الصلة أو الصفة وما يتعلق به من الصفات جميعاً لا كونهم ذوات أولئك المذكورين وأما جعل الظرف خبر آكما هو الشائع في موارد الاستعمال فيأباه زالة المعنى لأن كونهم من الناس ظاهر فالإخبار به عار عن الفائدة كما قيل فإن مبناه توهم كون المراد بالناس الجنس مطلقاً وكذا مدار الجواب عنه بأن الفائدة هو التنبيه على أن الصفات المذكورة تنافى الإنسانية فحق من يتصف بها أن لا يعلم كونه من الناس فيخبر به ويتعجب منه وأنت خبير بأن الناس عبارة عن المعهودين أو عن الجنس المقصور على المصرين وأيا ما كان فالفائدة ظاهرة بل لأن خبرية الظرف تستدعى أن يكون اتصاف هؤلاء بتلك الصفات القبيحة المفصلة في ثلاث عشرة آية عنواناً جزا