6
لتؤسس للظاهرة الإستعمارية بوجهيها العسكري والفكري . على أن الظاهرة الغربية في قراءة الآخر وتأويله ، كانت دافعاً ومحرضاً بالنسبة إلى النخب العربية المثقفة التي وجدت نفسها في مواجهة صور غربية المجتمعاتها جديدة عليها ، وهو ما استفز فيها العصب الحضاري ، لتجد نفسها تملك ، بدورها ، الدوافع والأسباب لتشد الرحال نحو الآخر ، بحثاً واستكشافاً ، وتعود ومعها ما تنقله وتعرضه وتقوله في حضارته ، ونمط عيشه وأوضاعه ، ضاربة بذلك الأمثال للناس ، ولينبعث في المجتمعات العربية ، وللمرة الأولى ، صراع فكري حاد تُسْتَقْطَبُ إليه القوى الحية في المجتمع بين مؤيد للغرب موال له ومتحمس لأفكاره وصياغاته ، وبين معاد للغرب ، رافض له ، ومستعد لمقاتلته
.
وإذا كان أدب الرحلة الغربي قد تمكن من تنميط الشرق والشرقيين ، عبر رسم صور دنيا لهم ، بواسطة مخيلة جائعة إلى السحري والأيروسي والعجائبي ، فإن أدب الرحلة العربي إلى الغرب والعالم ، كما سيتضح من خلال نصوص هذه السلسلة ، ركز أساساً ، على تتبع ملامح النهضة العلمية والصناعية ، وتطور العمران ، ومظاهر العصرنة ممثلة في التطور الحادث في نمط العيش والبناء والاجتماع والحقوق . لقد انصرف الرحالة العرب إلى تكحيل عيونهم بصور النهضة الحديثة في تلك المجتمعات ، مدفوعين ، غالباً ، بشغف البحث عن الجديد، وبالرغبة العميقة الجارفة لا في فقط ، من باب الفضول المعرفي ، وإنما ، أساساً ، من باب طلب العلم ، واستلهام التجارب ، ومحاولة الأخذ بمعطيات التطور الحديث ، واقتفاء أثر الآخر للخروج من حالة الشلل الحضاري التي وجد العرب أنفسهم فريسة . هنا ، على هذا المنقلب ، نجد أحد المصادر الأساسية المؤسسة للنظرة الشرقية المندهشة بالغرب وحضارته ، وهي نظرة المتطلع إلى المدنية وحداثتها
لها
الاستكشاف
6