22
27
www
wwww
السفر من بور سعيد
من حسن الاتفاق أن سفرنا من ميناء بور سعيد كان يوم الجمعة 21 ربيع الأول سنة 1328 فكان يوماً ميمون الطلعة حسن الفأل . وكان أوّل طوالع البر والخير لهذه
الرحلة السعيدة . فبعد أن أدينا فريضة الجمعة في وتناولنا طعام الجامع العبّاسي ، الغداء لدى سعادة محافظ المدينة ، توجهنا على بركة الله إلى الباخرة الفرنسية ، وهي إحدى بواخر شركة (مساجري) . وكان يودّعنا جم غفير من رجال الحكومة وأعيان البلد ومظاهرها يتقدمهم مع حضرات العلماء سعادة المحافظ . وحينما وصلنا إلى الباخرة ألفينا رئيس الشركة في انتظارنا من أجل أن يهدينا إلى المخدع الذي أعد لنا هناك . ثمّ ما كدنا نسكن إلى مجالسنا من المكان حتى استدعى الرئيس قبطان السفينة ، وأخذ يلقي عليه من الأوامر والتعليمات اللازمة لراحتنا في هذا السفر ما شاء الله أن يلقي ، وكان القبطان يلبي رئيسه إلى ذلك طائعاً مسروراً . ولم يمض علينا من وقت وصولنا إلى المركب إلا نصف الساعة تقريباً حتّى بارحنا الميناء مودعين من جناب المحافظ ومن كان معه بغاية الحفاوة والإكرام . وما زلنا مسافرين والباخرة تنفذ في أكباد البحر وتمزق أحشاء الماء ، حتى ألقت مراسيها في وسط ميناء بيروت حيث دخلناها في صباح يوم السبت 22 ربيع الأول . وهناك وقع نظرنا لأول مرّة على الجهات الشامية الجميلة . وحينئذ لا تسل عمّا كان يتجدّد في صدورنا من الانشراح والسرور بمشاهدة تلك البقاع التي لها في تاريخ الإسلام ذلك المكان المعروف ، خصوصاً عندما رأينا جبل لبنان مشرفاً على بيروت وضواحيها إشراف الملك على رعيّته والقائد على جنده ، وكأنّه لم يكتف بأن يشرف على الدأماء ) حتى أراد أن يعانق الجوزاء . ومما نشكر الله له ونحمده عليه أنّنا ما لقينا من سفرنا هذا نصباً لأنّ الجو كان في غاية الاعتدال ، وكان البحر بالمصادفة ساكناً هادئاً يهدي إلينا في طيات
(3)
(3) الداماء : البحر .