← المكتبة ▭▭ صفحتان
الأدب العربي المعاصر في مصر - ضيف - ط المعارف
شوقي ضيف الأدب والبلاغة
A− A+
31
۳۲ أن يتكلفوا هذه الأثمان ونتج عن ذلك أن الأدب والعلم في الأمم القديمة ومنها الأمة العربية كان محدوداً بطائفة خاصة ، بل كان محتكراً لها محصوراً فيها . ومن ثم كانت الحياة العقلية والأدبية ضيقة الحدود، فهى موقوفة على فئات قليلة ، وقلما تجاوزتها إلى الشعب ، فكثرة الشعب كانت جاهلة لا تدرى من أمور الثقافة شيئاً . فلما ظهرت المطبعة عملت على نشر الكتب ، وأصبح الكتاب الواحد يطبع منه مئات النسخ بل آلافها ، فأتيح لجمهور كبير من الشعب أن يطلع عليه ويفيد منه ، أولا لأنه يجده ، وثانياً لأنه يكلفه ثمناً بخساً . وبذلك اتسع تبادل الأفكار فى العلوم والفنون والآداب، بل لقد أصبحت حقاً مشاعاً للجميع ولم تعد حبيسة على طائفة بعينها . وعلى هذا النحو ألغت المطبعة في أوربا احتكار الأفكار ، وجعلتها من منافع الشعوب العامة ، وبعبارة أخرى ألغت أرستقراطية 6 الأدب والعلم ، وجعلتهما ديموقراطيين ، فهما من حقوق جميع الأفراد . وفتحت في كل مكان المكاتب لبيع الكتب ونشرها ، كما فتحت دور الكتب العامة أمام المتعلمين ليقرأوا فيها مالا يقدرون على شرائه . وكل هذا حدث في مصر مع ظهور المطبعة فى القرن الماضي ، فقد أنشأ على مبارك سنة ۱۸۷۰ دار الكتب المصرية ، وزوّدها بالكتب في مختلف الآداب والعلوم والفنون ، ولم يكتف بالكتب العربية ، بل ضم إليها طائفة كبيرة من كتب اللغات الغربية، وحدد للدار أوقاتاً فى الصباح والمساء يغدو ويروح إليها الشعب للقراءة والاطلاع ، ووضع نظاماً لاستعارة الكتب خارجها . وبذلك كانت ولا تزال - جامعة شعبية كبرى للثقافة والاطلاع العقلى الخصب ومما زاد في أهمية الدور الذي لعبته المطبعة عندنا في تثقيف الشعب اتساع دائرة التعليم منذ عصر إسماعيل ، فكثر الجمهور القارىء الذي تخاطبه، والذي يمكن أن يفيد منها ومن آثارها في صقل ذهنه وعقله . وكان مما مكن للمطبعة من ذلك عندنا وفى الخارج سهولة المواصلات في العصر الحديث فإنها قربت المسافات بين الأدباء وقرائهم ، بل بين الشعوب