243 · ص66 · ج1
والتخاريج ما لا يحصى كثرة، حرر مسموعاته، وصار مقتدى به، مرجوعا إليه في هذا الشأن، مع الحفظ، والإتقان، والصدق، والتحري، وكتب الشروط فأحكمها، والسجلات فأتقنها، وله فيهما مصنفات.
وكان محسنا إلى الطلبة، متلطفا بهم، صبورا على التعليم، سهل العارية لكتبه وأجزائه، فيقضي أوقاته في السماع والتسميع، وكتابة الطباق، وقضاء حوائج الناس، والمواظبة على وظائفه من غير انقطاع إلاّ لعذر مانع شرعا. وولي المشيخات، وصحب الأكابر من أهل العلم.
وولد له عدة أولاد، توفوا كلهم في حياته، فصبر واحتسب، منهم: المحصل بهاء الدين أبو الفضل محمد اعتنى به واجتهد إلى أن حفظ المحافيظ، وقرأ القرآن بالسبع، وشهد على الحكام ولم ينبت، وحج به، وتوفي وهو شاب. ومنهم فاطمة اجتهد عليها، وعلمها الخط، وكتبت ربعة شريفة، وشرعت في صحيح البخاري، فكتبت منه مقدار النصف، ثم حصل لها نفاس وأعقبها مرض أشرفت فيه على الموت مرات حتى أن كثيرا من الأعيان كانوا يبطلون مهماتهم، ويتهيئون لتشييع جنازتها، ثم نقهت من ذلك، فأكملت الصحيح كتابة في ثلاثة عشر مجلدا بخط واضح، فلما فرغت شرعت في تحصيل الورق وغيره لكتابة صحيح مسلم، فتوفيت قبل شروعها في الكتابة، وذلك بعد فراغها من صحيح البخاري بنحو شهر.
وحكى والدها أنها كانت في أثناء مرضها تتأسف على عدم تكميل البخاري، وتود لو عاشت إلى أن تكمله، ثم تموت، فكان ذلك، وصبر والدها واحتسبها عند الله. وقابل النسخة المذكورة مرتين، واعتنى بها، وصارت عمدة في الصحة.
وحج أبو محمد البرزالي خمس حجج، سمع وأسمع فيها بدرب الحجاز والحرمين، والأماكن المعظمة ثم قصد الحج مرة سادسة عقيب مرض فعاوده بدرب الحجاز، ودخل المدينة النبوية محمولا لمرضه، ثم أحرم فتوفي بخليص بكرة الأحد رابع ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، فعزم على نقله ودفنه بمكة، فحصل خلاف بين الفقهاء الحجاج في هذه السنة، وكانوا جماعة من شيوخ المذاهب، في جواز النقل وخيف عليه من الحر، فصلّي عليه بمخيم الحاج، ودفن إلى جانب البرج بخليص، ووصل خبره إلى الديار المصرية ثم إلى دمشق في خامس المحرم سنة أربعين، وصلي عليه صلاة الغائب بالبلاد، ووقف كتبه وأجزاؤه، وتصدّق بثلث ماله.
وقلت أرثيه لما بلغني وفاته، وكنت إذ ذاك بالقاهرة المعزية:
تراهم بالذي ألقاه قد علموا … شطّ المزاروبان البان والعلم
لهفي عليهم وقد شدوا ركائبهم … عن الديار ولا يثني بهم قدم
244 · ص66 · ج2
وكان إمام الرّواحيّة ١ ومعيدها، من أصحاب الشيخ شرف الدين ابن المقدسي، وله نظم حسن.
جمادى الأولى
[وفاة الأمير علاء الدين البندقدار]
١٤٨ - في مستهلّ جمادى الأولى توفي الأمير الكبير علاء الدين البندقدار ٢ الصالحي، بالقاهرة، وصلّي عليه بدمشق مستهلّ (جمادى الأولى) ٣.
وكان من أعيان الأمراء، وكان أستاذ السلطان الملك الظاهر، فلذلك كان يعرف الملك الظاهر قبل السلطنة بالبندقداري.
[الوزارة بدمشق]
وولّي الصاحب محيي الدين ابن النحاس الوزارة بدمشق يوم الخميس سابع جمادى الأولى، وخلع عليه عوضا عن تقيّ الدين توبة ٤.
[ولاية البلد دمشق]
وعزل الأمير سيف الدين طوغان من ولاية البلد في رابع عشر جمادى الأولى، وولّي عوضه الأمير عزّ الدين ابن أبي الهيجاء الإربليّ ٥.
١ الرواحيّة: مدرسة شرقيّ مسجد ابن عروة بالجامع الأموي ولصيقه، شماليّ جيرون، وغربيّ الدولعية، وقبليّ الشريفية الحنبلية. بناها زكيّ الدين أبو القاسم التاجر المعروف بابن رواحة، وهو هبة الله بن محمد الأنصاري. توفي سنة ٦٢٣ هـ. وقيل سنة ٦٢٢ هـ. (الدارس ١/ ١٩٩، ٢٠٠ رقم ٤٦).
٢ انظر عن (علاء الدين البندقدار) في: ذيل مرآة الزمان ٤/ ٢٦٢ - ٢٦٤ (المخطوط) ٣/ورقة ٤٦٧،٤٦٨، وتاريخ حوادث الزمان لابن الجزري (مخطوط غوطا ١٦٥١) ورقة ٥١ أ، وتاريخ ابن الجزري (هارمان) ص ٧٠، ونهاية الأرب ٣١/ ١٢٨، وتالي كتاب وفيات الأعيان ٢٦ رقم ٢٦، والعبر ٥/ ٣٤٨،٣٤٩، وتاريخ الإسلام (٦٨٤ هـ.) ص ١٩٢،١٩٣ رقم ٢٦٤، والبداية والنهاية ١٣/ ٣٠٥،٣٠٦، والوافي بالوفيات ٩/ ٤٩١ رقم ٤٤٥٦، والدرّة الزكية ٢٧٦، وعيون التواريخ ٢١/ ٣٥٧،٣٥٨، وتاريخ ابن الفرات ٨/ ٣٣، والمقفّى الكبير ٢/ ٣٤٧ رقم ٨٧٤، والسلوك ج ١ ق ٣/ ٧٣٠، والمواعظ والاعتبار ٢/ ٢٨٢، وعقد الجمان (٢) ٣٤٦، والنجوم الزاهرة ٧/ ٣٦٥، والمنهل الصافي ٣/ ١٥٥،١٥٦ رقم ٥٩٣، والدليل الشافي ١/ ١٦٥ وهو: أيدكين بن عبد الله البندقدار.
٣ ما بين القوسين كتب على هامش المخطوط.
٤ خبر الوزارة بدمشق في: ذيل مرآة الزمان ٤/ ٢٥٩، ونهاية الأرب ٣١/ ١٢٥، وتاريخ حوادث الزمان لابن الجزري (مخطوط غوطا ١٥٦١) ورقة ٤٨ ب، وتاريخ الإسلام (٦٨٤ هـ.) ص ١٥.
٥ خبر ولاية البلد في: نهاية الأرب ٢١/ ١٢٦، وتاريخ حوادث الزمان لابن الجزري (مخطوط-