261 · ص230 · ج1
وقال أبو حاتم الرازي: سألني يحيى بن معين عنه فقال: ما ينقمون عليه؟ فقلت: يكون في كتابه شيء، فيقول: ليس هذا هكذا، إنما هو كذا وكذا، فيأخذ القلم فيغيّره على ما يقول هو. فقال: بئس هذه الخصلة، قَدِم علينا بغداد فأخذنا منه كتاب يعقوب القمّي، ففرّقنا الأوراقَ بيننا، ومعنا أحمد بن حنبل فسمعناه، ولم نرَ إلا خيرًا ١.
والذين نسبوه إلى الكذب لم يريدوا أنه كان يتعمّد [ق ٧٦] الوضعَ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والرجلُ أجلُّ من ذلك، وإنما هو الكذب في السماع بدعوى سماعٍ من رجل وبينه وبينه واسطة، وأنه يحدّث بما لم يسمعه، وأنه يحدّث بأحاديث أهل بلد عن أهل بلد آخر، كما كان يحدّث بأحاديث الكوفيين والبصريين عن الرّازيين، ويحدّث بالمغازي عن سلمة، وإنما سمعه من عليّ بن مِهْران، عن سلمة. وكان يُكثر جدًّا، فوقع في أحاديثه من المنكرات والأباطيل شيء كثير، ومثل هذا لا يُحتجّ بحديثه إذا انفرد به أو خالف فيه الثقات، فأما ما لم ينفرد به ولم يخالف فيه ثقة؛ فأقلّ أحواله أن يُعْتَضَد به وإن لم يُعْتَمد عليه.
وهب أنّ حديثه هذا لا يصلح لاعتمادٍ ولا لاعتضاد، ففي الأحاديث الصحيحة غُنْيَة عنه، وشأنكم به فمزِّقوا أديمَه كلَّ مُمَزّق، فإن ذلك لا يضرُّنا شيئًا!
١ كلام ابن معين وأبي حاتم في «الجرح والتعديل»: (٧/ ٢٣٢). وانظر «تهذيب الكمال»: (٦/ ٢٨٦) ولعله مصدر المؤلف في النقل.
262 · ص231 · ج1
* وأما ردُّكم لحديث عُمير بن حبيب الليثي ١ برِفْدَة بن قُضاعة؛ فنحن لم نذكره احتجاجًا به ولا اعتمادًا عليه، والعمدة على ما تقدّم، وإنما يفيدكم هذا أنْ لو لم يكن في الباب إلا حديثُه هذا.
فما ضرَّ صاحبَ الحقّ، إذا شهدَ له عشرةٌ عدول أو أكثر، أنْ يشهدَ له من ليس مثلهم في العدالة والثقة؟! فإنْ لم يزِد حقَّه قوةً لم يزده وهنًا.
* وأما ردُّكم لحديث ابن عباس ٢ بعبد الله بن لهيعة؛ فلقد اشتهر ضعفُه على ألسنة الفِرق، ومع ذلك فهو أحد الأعلام المشاهير، وأحد حفَّاظ الإسلام غير مُدافَع، ولقي من التابعين نيّفًا وسبعين.
قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: من كان مثل ابن لهيعة
ــ يعني بمصر ــ في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه! وحدّث عنه أحمد في «مسنده» بحديث كثير ٣.
وقال إبراهيم بن إسحاق: حملت رسالةَ الليث بن سعد إلى مالك بن أنس، وأخذتُ جوابها، فكان مالك يسألني عن ابن لهيعة، فأخبره بحاله، فجعل مالكٌ يقول لي: وابن لهيعة ليس يذكر الحجّ؟ فسبق إلى قلبي أنه يريد مشافهته والسماعَ منه ٤.
١ تقدم تخريجه (ص/٢١)، وكلامهم عليه (ص/١٥٥ - ١٥٦).
٢ تقدم تخريجه (ص/٢٢)، وكلامهم عليه (ص/١٥٦ - ١٥٧).
٣ «سؤالات الآجري لأبي داود»: (٢/ ١٧٥) وليس فيه «في مسنده».
٤ أخرجه ابن حبان في «المجروحين»: (٢/ ١٢).