← المكتبة ▭▭ صفحتان
التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
ابن عبد البر شروح الحديث 463 هـ
A− A+
4546 · ص289 · ج1
وأما قولُه: "أدْحَرُ". فمعناه أبعدُ من الخيرِ وأهونُ، والأدْحَرُ: المطرُودُ المُبعَدُ من الخير المُهان، يقال: ادْحَرْه عنك؛ أي: اطْرُدْه وأبْعِدْه. وأمّا قولُه: "يَزَعُ الملائكة". فقال أهلُ اللُّغة: معنى يَزَعُ: يَكُفُّ ويَمنَعُ. إلّا أنّها هاهُنا بمعنى يُعبِّئُهم ويُرتِّبُهم للقتالِ ويَصُفُّهم، وفيه معنَى الكَفِّ؛ لأنَّه يَمْنَعُهم عن الكلام ١ من أنْ يَشِفَّ بعضُهم على بعض ٢، ويخرُجَ بعضُهم عن بعضٍ في التَّرتيب. قالوا: ومنه قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل: ١٧]. وقد تَكْني العربُ بهذه اللفظةِ عن الموعظة؛ لِما فيها من معنى الكفِّ والمنع والرَّدع والزَّجر، قال النابغةُ الذبيانيُّ ٣: على حينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبَا ... وقلتُ ألمَّا أصْحُ والشَّيْبُ وازعُ وقال لَبيدٌ العامريُّ ٤: إذا المرءُ أسرَى ليلةً ظنَّ أنَّهُ ... قضَى عمَلًا والمرءُ ما عاشَ عاملُ فقُولا له إنْ كان يَعقِلُ أمْرَهُ ... ألمَّا يَزَعْكَ الدَّهْرُ أُمُّكَ هابِلُ
١ قوله: "عن الكلام" لم يرد في ق، ف ١، وهو ثابت في الأصل. ٢ الشَّفُّ: قال ابن سيده في كتاب الأضداد من المحكم ٤/ ١٧٨: "والشَّفُّ الفضْل والنُّقصان"، وقال ابن فارس في مجمل اللغة ١/ ٤٩٧: "والشَّفُّ: الزيادة، يقال: أشْفَفْتُ بعضَ ولدي على بعض، أي: فضَّلتَهم". ٣ ديوانه ص ٤٤. ٤ ديوانه ص ٢٥٤، وعنده في البيت الثاني بلفظ: فقولا له إن كان يقْسِم أمْرَهُ ... ألمّا يعِظْكَ الدهرُ أُمُّك هابِلُ وبهذا اللفظ أورده ابن قتيبة في الشعر والشعراء ١/ ٢٧١، والأزهري في تهذيب اللغة ٨/ ٣٢٠، وعبد القادر البغدادي في خزانة الأدب ٢/ ٢٥٢. وقوله: "أُمُّكَ هابِلُ" هابِل: من هَبلَتْهُ، أي ثكِلتْهُ وعدمتُه. قال الزَّبيدي: قد يُستعمل في معنى المدح والأعجاب، يعني: ما أعلَمَهُ! وما أصوبَ رأيه. تاج العروس (هبل).