2951 · ص189 · ج6
وقد قال - صلى الله عليه وسلم - في الأمةِ: "إن زَنَتْ فاجْلِدُوها" ١. وقال مالكٌ في حديثه ذلك: ولم تُحصِنْ. وسنُبيِّنُ ذلك بعدَ تمَام القولِ في هذا الحديثِ إن شاء اللهُ.
وأمَّا قولُه في الحديثِ: جلَد ابنَه مئةَ جَلْدَة ٢، وغَرَّبه عامًا، فلا خِلافَ بينَ علماء المسلمينَ أنَّ ابنَه ذلك كان بِكْرًا، وأنَّ الجلدَ حَدُّ البِكْرِ مئةُ جَلْدَةٍ. واختَلَفوا في التَّغْرِيبِ، فقال مالكٌ ٣: يُنْفَى الرجلُ، ولا تُنْفَى المرأةُ ولا العبدُ، ومَن نُفِي حُبِس في الموضع الذي يُنْفَى إليه. وقال الأوزاعيُّ: يُنْفَى الرجلُ، ولا تُنْفَى المرأةُ.
وقال أبو حنيفةَ ٤ وأصحابُه: لا نَفْيَ على زانٍ، وإنَّما عليه الحدُّ؛ رجلًا كان أو امرأةً، حُرًّا كان أو عبدًا.
وقال الثوريُّ، والشافعيُّ، والحسنُ بنُ حَيٍّ: يُنْفَى الزاني إذا جُلِد؛ امرأةً كان أو رجلًا. واختَلَف قولُ الشافعي ٥ في نفي العبدِ، فقال مرَّةً: أستَخِيرُ اللهَ في تغريب العبيدِ، وقال مَرَّةً: يُنْفَى العبدُ نصفَ سنةٍ، وقال مرَّةً أُخرى: سنةً إلى غيرِ بلدِه. وبه قال الطبريُّ.
قال أبو عُمر: مِن حُجَّةِ مَن غَرَّبَ الزُّناةَ مع حديثنا هذا، حديثُ عُبادةَ بنِ الصامتِ: "البكرُ بالبكرِ، جَلْدُ مئةٍ وتغريبُ عام"، لم يخُصَّ عبدًا من حُرِّ، ولا أنْثَى من ذكرٍ.
حدَّثني أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بنُ
١ هو الحديث التالي، وهو عند مالك في الموطأ (٢٣٩٠).
٢ انظر: عمدة القاري للعيني ١٣/ ٢٧٣.
٣ النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني ١٤/ ٢٣٦.
٤ مختصر اختلاف العلماء للطحاوي ٣/ ٢٧٧.
٥ الأم ٦/ ١٦٨.