← المكتبة ▭▭ صفحتان
التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
ابن عبد البر شروح الحديث 463 هـ
A− A+
2949 · ص189 · ج4
عبَّادُ بنُ منصورٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: جاء هلالُ بنُ أُميَّةَ -وهو أحَدُ الثلاثةِ الذين تاب اللهُ عليهم- فجاء مِن أرضِه عشاءً، فوجَد عندَ أهلِه رجلًا، فرأى بعَينِه، وسمِع بأُذُنِه، فلم يَهِجْه حتى أصبَح، ثم غَدا على رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسولَ الله، إنِّي جئتُ أهلي عشاءً، فوجَدتُ عندَهم رجلًا، فرأيتُ بعَيْني، وسَمِعتُ بأُذني. فكرِه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ما جاء به، واشْتَدَّ عليه، فنزلت: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ} الآيتين كلتَيهِما [النور: ٦]. فسُرِّي عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "أبشِرْ يا هِلالُ، فقد جعَلَ اللهُ لك مخرَجًا"، وذكَر الحديثَ بطُولِه. وروى جريرُ بنُ حازم، عن أيوبَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما قذَف هِلالُ بنُ أُميةَ امرأته، قيل له: واللّه ليجلدنَّكَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ثمانينَ. فقال: اللهُ أعدَلُ مِن أن يَضربَني وقد عَلِم أنِّي رأيتُ حتى استبنتُ، وسمِعْتُ حتى استيقَنْتُ. فأنزلَ اللهُ ١ آيةَ المُلاعَنةِ ٢. فهذه الآثارُ كلُّها تدلُّ على أنَّ الملاعَنةَ التي قَضَى بها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إنّما كانت بالرُّؤَيةِ، فلا يجبُ أن تتعَدَّى ذلك، ومَن قذَف امرأتَه ولم يذكُرْ رؤيَةً، حُدَّ بعُمُوم قولِه: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} [النور: ٤] الآية. ومن جهةِ النظرِ، فإن ذلك قياسٌ على الشُّهودِ، ولأنَّ المعنَى في اللّعَانِ إنّما هو مِن أجلِ النَّسَبِ، ولا يَصحُّ ارتفاعُه إلّا بالرؤية أو نَفي الوَلدِ، فلهذا قالوا: إنَّ القذفَ المُجرد ٣ لا لِعَانَ فيه، وفيه الحَدُّ؛ لعُموم قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ}. وقياسًا على الشهادةِ التي لا تَصحُّ إلّا برؤيَةٍ، واللهُ أعلم.
١ في ج: "فنزلت". ٢ أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٧٤ (٢٤٦٨)، وابن جرير الطبري في تفسيره ١٩/ ١١٢، والحاكم في المستدرك ٢/ ٢٠٢، والبيهقي في الكبرى ٧/ ٣٩٥ (١٥٦٨٨) من طرقٍ عن جرير بن حازم، به. وإسناده صحيح. ٣ قوله: "المجرد" لم يرد في د ١، وهو ثابت في ج.