← المكتبة ▭▭ صفحتان
التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
ابن عبد البر شروح الحديث 463 هـ
A− A+
2541 · ص163 · ج12
الرُّطب إذا يَبِس؟ هكذا رواهُ عبدُ الله بن نُمير وحمّاد بن سَلَمة عن مالك، فقالا: أليس يَنقُص؟ ١. فهذا تقرِيرٌ منهُ وتوبِيخٌ، وليسَ باستِفهام في الحَقِيقةِ؛ لأنَّ مِثلَ هذا لا يجُوزُ جَهلُهُ على النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، والاستِفهامُ في كلام العَرَبِ قد يأتي بمعنى التَّقرِيرِ كثِيرًا، وبمعنى التَّوبِيخ، كما قال الله عزَّ وجلَّ: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ} [المائدة: ١١٦]. فهذا استِفهامٌ معناهُ التَّقرِيرُ، وليس معناهُ أنَّهُ استَفْهَمَ عمّا جهِلَ ٢، جلَّ الله وتعالى عن ذلك، ومن التَّقرِيرِ أيضًا بلفظِ الاستِفهام، قولُهُ عزَّ وجلَّ: {آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: ٥٩]، وقولُهُ: {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: ٥٩]، وقولُهُ: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ} [طه: ١٧ - ١٨] وهذا كثِيرٌ. وقولُهُ - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديثِ: "أينقُصُ الرُّطبُ إذا يبِسَ؟ " نحو قولِهِ: "أرأيتَ إن منعَ الله الثَّمرةَ، فبمَ ٣ يأخُذُ أحدُكُم مالَ أخِيهِ؟ " ٤. فكأنَّهُ ٥ قد قال: أليسَ الرُّطبُ إذا يبِسَ نقصَ؟ فكيف تبِيعُونهُ بالتَّمرِ، والتَّمرُ لا يجُوزُ بالتَّمرِ إلّا مِثلًا بمِثل، والمُماثلةُ معدُومة ٦ في مِثلِ هذا، فلا تبِيعُوا التَّمر بالرُّطبِ بحالٍ. فهذا أصلٌ في مُراعاةِ المآلِ في ذلك. وهذا تقديرُ ٧ قولِهِ - صلى الله عليه وسلم - عِندَ من نزَّهَهُ، ونفى عنهُ أن يكون جهِلَ أنَّ الرُّطَبَ ينقُصُ إذا يبِسَ، وهذا هُو الحقُّ إن شاءَ الله تعالى، وبه التَّوفِيقُ.
١ قوله: "وقد روي هكذا. . .أليس ينقص؟ " لم يرد في الأصل. ٢ في الأصل: "استفهام عما فهم"، والمثبت من د ٢. ٣ في م: "فيم". ٤ أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ١٤٠ (١٨٠٨) من حديث أنس. ٥ في م: "فإنه". ٦ في الأصل، م: "معروفة"، والمثبت من د ٢. ٧ في م: "تقرير".