1765 · ص115 · ج4
ولمّا كانت موالاةُ أولياءِ الله من أفضلِ أعمالِ البرِّ، كانت معاداةُ أعدائِه كذلك أيضًا، وسيأتي هذا المعنى في بابِ أبي طُوالةَ من هذا الكتابِ إن شاءَ الله.
وأجمَع العلماءُ ١ على أنّه لا يجوزُ للمسلِم أن يهجُرَ أخاه فوقَ ثلاثٍ، إلّا أن يكونَ يخافُ من مكالمتِه وصِلَتِه ما يُفسِدُ عليه دينَه، أو يولِّدُ به ٢ على نَفسِه مضرَّةً في دينه أو دُنياه، فإن كان ذلك فقد رُخِّص له في مجانبتِه وبُعدِه، ورُبَّ صَرْم جميلٍ خيرٌ من مخالطةٍ مؤذيَةٍ، قال الشاعِرُ ٣:
إذا ما تقضَّى الوُدُّ إلّا تكاشرًا ... فهجرٌ جميلٌ للفريقينِ صالحُ ٤
واختلَفوا في المتهاجِرَينِ يُسلِّمُ أحدُهما على صاحبِه، أيُخرِجُه ذلك من الهجرةِ أم لا؟ فروَى ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ أنّه قال: إذا سلَّم عليه فقد قطَع الهجرةَ ٥. وكأنَّه، واللهُ أعلمُ، أخَذ هذا مِن قولِه -صلى الله عليه وسلم-: "وخيرُهما الذي يبدأُ بالسلام" ٦، أو من قولِ من قال ٧: يُجزئُ مِن الصَّرْم السَّلام.
١ انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/ ١١٧، وفتح الباري لابن حجر ١٠/ ٤٩٥، والمنتقى شرح الموطأ للباجي ٧/ ٢١٥، وكفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني ٢/ ٣٩٤.
٢ "به" لم يرد في ج.
٣ قول الشاعر والبيت لم يرد في ج.
٤ البيت أورده الخرائطي في اعتلال القلوب (٧٦٤) وعزاه لمحمد بن عُبيد الله العُتبيِّ مع خمسة أبيات أخرى، وأورده أبو حيان التوحيدي في كتاب الصداقة والصديق ص ١٥٩.
وقوله فيه: "تكاشرًا" من الكَشْر: وهو التبسُّم. القاموس (كشر).
٥ كما في شرح صحيح البخاري لابن بطّال ٩/ ٢٧٠، وينظر المنتقى شرح الموطأ للباجي ٧/ ٢١٥.
٦ أخرجه مالك في الموطأ (٢٦٣٨) عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري، ومن طريق مالك أخرجه أحمد في المسند ٣٨/ ٥٥٧ (٢٣٥٨٤)، والبخاري (٦٠٧٧)، ومسلم (٢٥٦٠).
٧ هو الحسن البصري، أخرجه عنه بإسناده يعقوب بن سفيان في مشيخته (١٧)، والعقيلي في الضعفاء ٢/ ٩١، وابن عدي في الكامل ٤/ ١٨٨.