← المكتبة ▭ صفحة واحدة
التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
ابن عبد البر شروح الحديث 463 هـ
A− A+
1663 · ص108 · ج14
واحدًا منه أن ينصرِفَ إليه حيثُ ذكَره في بلدِه أو غيرِ بلدِه حتى يأتيَ به كاملًا، كمن نَسيَ الطوافَ الواجبَ طوافَ الإفاضة سواءً، أو نَسيَ شيئًا منه. ولا خلافَ بينَ علماء المسلمين في وُجوبِ طوافِ الإفاضة -وهو الذي يُسمِّيه العراقيون طوافَ الزيارة- يومَ النحر بعدَ رمي جمرةِ العقبة، إلّا أن منهم من يقول: إنّ عملَ الحجِّ ينوبُ فيه التطوعُ عن الفرض. على ما بيّناه عنهم في غير هذا الموضع. واختلفوا في وجوبِ السعي بينَ الصفا والمروة؛ فذهَب مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُهما، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثور، إلى ما ذكَرنا. وهو مذهبُ عائشةَ رضي اللَّه عنها، ومذهبُ عُروة، وغيره. وكان أنسُ بنُ مالك، وعبدُ اللَّه بنُ الزبير، ومحمدُ بنُ سيرين، يقولون: هو تطوعٌ وليس ذلك بواجب ١. ورُوي ذلك عن ابن عباس ٢. ويُشبهُ أن يكونَ مذهبَ أُبيِّ بنِ كعب وابن مسعود؛ لأنَّ في مصحفِ أبيٍّ وابنِ مسعود: "فلا جناحَ عليه ألّا يَطَّوَّفَ بهما" ٣. وقال أبو حنيفةَ والثوريُّ ٤: من تَرك السعيَ بينَ الصفا والمروةِ فعليه دَمٌ. وهو قولُ الحسن البصريِّ؛ إلَّا أنّ تلخيصَ مذهبِ أبي حنيفةَ في ذلك: إن
١ ينظر: تفسير ابن جرير الطبري ٣/ ٢٤١ - ٢٤٢. ٢ أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن، ص ٢٩٠، وابن جرير الطبري في تفسيره ٣/ ٢٤١، وابن أبي داود في المصاحف، ص ١٨٨، والبيهقي في معرفة السنن والآثار ٧/ ٢٥٥ (٩٩٧١) من طرق عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، عنه أنه كان يقرأ (إن الصفا والمروة من شعائر اللَّه فلا جُناح عليه أنْ لا يطَّوف بهما). ٣ ينظر: تفسير ابن جرير الطبري ٣/ ٢٤١ - ٢٤٢. ٤ ينظر: مختصر اختلاف العلماء للطحاوي ٢/ ١٤٥، وتفسير ابن جرير الطبري ٣/ ٢٤١.
1664 · ص108 · ج15
يحيى عن بُشيرِ بنِ يسارٍ أربعةُ أحاديث حديثٌ تاسع عشرَ ليَحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ ١، عن يحيى بن سعيد، عن بُشيرِ بنِ يسارٍ مولى بني حارثة، عن سُويدِ بنِ النُّعمان، أنَّه أخبَره أنَّه خرجَ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - عامَ خيبرَ حتى إذا كانوا بالصَّهباء - وهي من أدنى خَيْبر - نزلَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلَّم - فصلَّى العصرَ، ثم دعا بالأزواد، فلم يُؤتَ إلّا بالسَّويق، فأمَر به فثُرِّيَ، فأكَل رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - وأكَلْنا، ثم قام إلى المغرب، فمَضْمَض ومَضمَضْنا، ثم صلَّى ولم يتوضَّأْ. وبُشيرُ بنُ يسارٍ هذا: هو بُشيرُ بنُ أبي كَيْسانَ ٢ مولى بني حارثةَ من الأنصار، مَدَنيٌّ تابعيٌّ ثقةٌ. وهذا حديثٌ صحيحٌ إسنادُه ثابتٌ ٣، أدخَله مالكٌ في باب تَرْكِ الوضوءِ مما مسَّتِ النار، وهذا يدُلُّك على أن السَّويقَ من الطعام الذي قد مسَّتْهُ النار، وأنه لا وُضوءَ فيه، وقد أوضَحنا هذا المعنى وجوَّدناه من جهةِ الأثرِ والنظر، ومهَّدناه وبسَطناه، وجلَبنا فيه الاختلافَ ووُجوهَ الاعتلالِ في باب زيدِ بنِ أسلمَ من هذا الكتاب ٤، والحمدُ لله. وأما قوله: "فثُرِّيَ"؛ يعني: بُلَّ بالماء، ومنه قيل للتراب النَّديِّ: الثَّرَى.
١ الموطّأ ١/ ٦١ (٥٥). ٢ ينظر: تهذيب الكمال ٤/ ١٨٧ (٧٣٤). ٣ وهو في صحيح البخاري (٢٠٩) عن عبد الله بن يوسف التِّنِّيسي، و (٤١٩٥) عن عبد الله بن مسلمة القعنبي، كلاهما عن مالك، به. ٤ في أثناء شرح الحديث السابع له عن عطاء بن يسار، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وقد سلف في موضعه، وهو في الموطأ ١/ ٦٠ (٥٤).
→ السابق 1663–1664 / 9093 التالي ←