331 · ص344
عليه الأئمة، فمن الضروري جداً أن نضم إلى ذلك أنهم قد قاموا بتفقد السماع من المدلسين المعروفين بالتدليس.
فإذا صحح الأئمة أو أحدهم حديثاً واعتمد في تصحيحه على طريق فيه مدلس معروف بالتدليس فمعناه أنه وقف على تصريح المدلس بالتحديث أو ما يقوم مقامه، وهذا معنى قول الحاكم وهو يذكر أجناس المدلسين: "الجنس الخامس من المدلسين قوم دلسوا عن قوم سمعوا منهم الكثير، وربما فاتهم الشيء عنهم فيدلسون ... ، ومن هذه الطبقة جماعة من المحدثين المتقدمين والمتأخرين مخرج حديثهم في الصحيح، إلا أن المتبحر في هذا العلم يميز بين ما سمعوه وما دلسوه" ١، وقوله: "وأخبار المدلسين كثيرة، وضبط الأئمة عنهم ما لم يدلسوا، وما لم يدلسوا ظاهر في الأخبار" ٢.
وقال الخليلي في معرض كلامه عن حديث دلسه ابن جريج: "وابن جريج يدلس في أحاديث، ولا يخفى ذلك على الحفاظ" ٣.
ومثل هذا يقال لو تم ترجيح القول الثاني، وأنه هو الذي عليه الأئمة، وقد قال ابن حبان ـ وهو أحد من نسب إليه هذا القول ـ: "إذا صح عندي خبر من رواية مدلس أنه بين السماع فيه، لا أبالي أن أذكره من غير بيان السماع في خبره بعد صحته عندي من طريق آخر" ٤.
١ "معرفة علوم الحديث" ص ١٠٨ - ١٠٩.
٢ "المدخل في أصول الحديث" ص ٩٤.
٣. "الإرشاد" ١: ٣٥٢.
٤ "صحيح ابن حبان" ١: ١٦٢.
332 · ص345
ومتى قَدَّرنا غير هذا وأنهم لم يقوموا بتفقد السماع لزمنا أحد أمرين: إما رميهم بالتقصير في نقد الأسانيد، وأنهم سنوا قانوناً لم يطبقوه، ورميهم بهذا لا يرضاه أحد لنفسه، أو إعادة النظر في ترجيح ما نسبناه إليهم، وأنه هو منهجهم، وهذا الثاني لا مفر منه، ويترجح حينئذٍ القول الأول، وهو أنهم إنما يتوقفون فيما لم يصرح فيه المدلس بالتحديث إذا ظهر لهم أنه قد دلَّس حديثاً بعينه، وهو قول قوي لا يبعد أن يكون هو الراجح، وإنما تَمَّ ترجيح القول الثالث كما تقدم بناء على قرائن أقوى دلَّت على أنه هو الراجح عنهم.
ويبقى النظر في جانب آخر يتعلق بهذه المسألة، وهو ما إذا أعل الأئمة إسناداً بعلة، وأغفلوا نقده بالتدليس، فهل يعني هذا انتفاءه عندهم؟ كنت أولاً أميل لهذا، وأرى أنه لو كان منتقداً بالتدليس لنص عليه الناقد، ثم تأملت نقدهم للأحاديث بصفة عامة، فرأيت الواحد منهم ينص على علة يسقط بها الحديث يكتفي بها، مع وجود علل أخرى في الإسناد.
ومن أمثلة ذلك - فيما نحن فيه - أن مسعراً روى عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس: "إذا أصبح صائماً تطوعاً ثم أفطر قضى يوماً مكانه" ١ - قال أحمد: " أبى ابن مهدي أن يحدث بهذا عن سفيان، لأنه يروى عن ابن عباس خلافه، لا بأس به، ابن عباس [يقول] فيه، خالفوا حبيباً في هذا" ٢.
١. "مصنف ابن أبي شيبة" ٣: ٢٩، و"العلل ومعرفة الرجال" ٢: ٨.
٢. "العلل ومعرفة الرجال" ٢: ٨، وانظر: "مصنف عبدالرزاق" حديث (٧٧٦٧ - ٧٧٧٠)، (٧٧٧٣)، و"مصنف ابن أبي شيبة" ٣: ٣٠، و"سنن البيهقي" ٤: ٢٧٧.