243 · ص254
وروى الدارمي عن عبيد الله بن موسى، عن سفيان الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "ما قاتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوماً حتى دعاهم"، ثم قال: "سفيان لم يسمع من ابن أبي نجيح - يعني هذا
الحديث - " ١.
وسئل البخاري عن حديث عمرو بن دينار، عن ابن عباس: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد "، فقال: "عمرو بن دينار لم يسمع عندي من ابن عباس هذا الحديث " ٢.
وسيأتي في المبحث الخامس مزيد أمثلة للأحاديث التي نص الأئمة على وقوع التدليس فيها.
وأدق من ذلك أن يبينوا وقوع التدليس في الكلمة الواحدة، في متن الحديث أو إسناده، فقد اتفقت كلمة أحمد وابن معين على أن شيخهما هشيماً لم يسمع كلمة " فانحرف " في حديثه عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه: " أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صلى بهم الغداة فانحرف ... " الحديث ٣.
١. " سنن الدارمي" حديث (٢٤٤٨)، وانظر: " مصنف عبد الرزاق " حديث (٩٤٢٧).
٢. " العلل الكبير " ١: ٥٤٦، وانظر: " العلل ومعرفة الرجال" ٢: ١٨٦، فقد عد أحمد ما سمع عمرو بن دينار من ابن عباس، وليس هذا منها.
٣ "العلل ومعرفة الرجال" ٢: ٢٦٨، و"مسند أحمد" ٤: ١٦١، و"تاريخ الدوري عن ابن معين" ١: ٢٣٠.
244 · ص255
وقال عبدالله بن أحمد: "حدثني أبي، قال: حدثنا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه قال: " كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ارجع فقد بايعناك " ـ سمعت أبي يقول: قد سمعه هشيم من يعلى، عن رجل من آل الشريد، وإذا لم يقل خبراً قال: عن عمرو بن الشريد" ١.
ومراد أحمد أن هشيماً إذا لم يصرح بالتحديث سمى ابن الشريد، وأنه عمرو بن الشريد، وقد سمعه هكذا بواسطة عن يعلى بن عطاء، وحذفها، وإذا صرح بالتحديث عن يعلى لم يسم الرجل، لأنه هكذا سمعه من يعلى مبهماً.
في أشياء كثيرة جداً من هذا القبيل، يبين فيها الأئمة أن المدلس لم يسمع الحديث أو الكلمة فيه ممن روى عنه.
وقد كان للإمام أحمد تتبع دقيق لما دلسه شيخه هشيم، فجاء عنه النص على كثير من أحاديثه التي دلسها ٢، وكذلك يحيى بن معين ٣.
واشتهر بذلك أيضاً سعيد بن منصور، بالنسبة لهشيم، قال الطحاوي: "هو
١ "العلل ومعرفة الرجال" ٢: ٢٧٦، وانظر: "صحيح مسلم" حديث (٢٢٣١)، و"سنن النسائي الكبرى" حديث (٨٧١٥)، و"سنن ابن ماجه" حديث (٣٥٤٤).
٢ ينظر: "مسائل أبي داود" ص ٣٨٨ - ٣٨٩، ٣٩٦، ٣٩٩، ٤٠٨، ٤٤٨، و"العلل ومعرفة الرجال" ١: ٣٠٠، ٣٤٧، ٢: ٢٤٥ - ٢٨٤، ٣: ٢١٦، و"مسائل إسحاق" ٢: ٢٠٩، و"العلل الكبير" ٢: ٩٦٥.
٣. تقدم شيء من كلامه، وانظر: " تاريخ الدوري عن ابن معين " ٢: ١٧٥.