المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثالث
الصفحة 982 · ص. المطبوع 88 · الشرح
( وَيُحْرِمُ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ ) بِنَفْسِهِ ( بِإِذْنِ وَلِيِّهِ ) ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى لُزُومِ مَالٍ ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِنَفْسِهِ كَالْبَيْعِ ، وَقِيلَ : يَصِحُّ ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ كَصَوْمٍ وَصَلَاةٍ .
فَعَلَى هَذَا يُحَلِّلُهُ مِنْهُ إِنْ رَآهُ ضَرَرًا فِي الْأَصَحِّ كَعَبْدٍ . وَالْوَلِيُّ : مَنْ يَلِي مَالَهُ . وَظَاهِرُ رِوَايَةِ حَنْبَلٍ يَصِحُّ مِنَ الْأُمِّ أَيْضًا اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ ، وَفِي عُصْبَتِهِ كَالْعَمِّ وَابْنِهِ وَجْهَانِ . وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْوَلِيَّ لَا يُحْرِمُ عَنِ الْمُمَيِّزِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ ( وَغَيْرُ الْمُمَيِّزِ يُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ ) أَيْ : يَعْقِدُ لَهُ الْإِحْرَامَ ، وَيَقَعُ لَازِمًا ، وَحُكْمُهُ كَالْمُكَلَّفِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ : ۝ حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَنَا النِّسَاءُ ، وَالصِّبْيَانُ فَأَحْرَمْنَا عَنِ الصِّبْيَانِ . رَوَاهُ سَعِيدٌ ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ وُضُوءُهُ كَالْبَالِغِ ، بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ فَصَحَّ عَقْدُهُ لَهُ كَالنِّكَاحِ ، ( وَيَفْعَلُ عَنْهُ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ مِنْ عَمَلِهِ ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ : لَبَّيْنَا عَنِ الصِّبْيَانِ وَرَمَيْنَا عَنْهُمْ . رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الرَّمْيِ ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ طَافَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فِي خِرْقَةٍ . رَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ . فَدَلَّ أَنَّ مَا أَمْكَنَ الصَّبِيَّ فِعْلُهُ مِنْ وُقُوفٍ وَمَبِيتٍ لَزِمَهُ ; لِأَنَّ النِّيَابَةَ إِنَّمَا تَجُوزُ مَعَ الْعَجْزِ وَذَلِكَ مُنْتَفٍ ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْمِيَ عَنْهُ إِلَّا مَنْ رَمَى عَنْ نَفْسِهِ كَالنِّيَابَةِ فِي الْحَجِّ ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْإِجْزَاءِ هُنَاكَ فَكَذَا هُنَا ، وَإِلَّا وَقَعَ الرَّمْيُ عَنْ نَفْسِهِ إِنَّ كَانَ مُحْرِمًا بِفَرْضِهِ ، وَإِنْ كَانَ حَلَالًا لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ ، وَإِنْ قُلْنَا يَقَعُ الْإِحْرَامُ بَاطِلًا هُنَاكَ فَكَذَا الرَّمْيُ هُنَا ، وَإِنْ أَمْكَنَ الصَّبِيُّ أَنْ يُنَاوِلَ النَّائِبَ الْحَصَا نَاوَلَهُ ، وَإِلَّا اسْتُحِبَّ أَنْ تُوضَعَ الْحَصَاةُ فِي كَفِّهِ ، ثُمَّ تُؤْخَذُ مِنْهُ ، وَيُرْمَى عَنْهُ . فَلَوْ جَعَلَ كَفَّ الصَّبِيِّ كَالْآلَةِ ، وَرَمَى بِهَا عَنْهُ ، 88 فَحَسَنٌ ، ثُمَّ إِنْ عَجَزَ عَنِ الطَّوَافِ ، طِيفَ بِهِ مَحْمُولًا أَوْ رَاكِبًا ، وَتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ مِنَ الطَّائِفِ بِهِ ، وَكَوْنِهِ مِمَّنْ يَصِحُّ أَنْ يُعْقَدَ لَهُ الْإِحْرَامُ فَإِنْ نَوَاهُ عَنْ نَفْسِهِ ، وَعَنِ الصَّبِيِّ ، وَقَعَ عَنِ الصَّبِيِّ ، كَالْكَبِيرِ يُطَافُ بِهِ مَحْمُولًا لِعُذْرٍ ، وَلَا فَرْقَ فِي حَامِلِهِ أَنْ يَكُونَ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا أَسْقَطَ فَرْضَ نَفْسِهِ أَوْ لَا ، كَوُجُودِ الطَّوَافِ مِنَ الصَّبِيِّ فَهُوَ كَمَحْمُولٍ مَرِيضٍ .
تَنْبِيهٌ : يَجْتَنِبُ فِي حَجِّهِ مَا يَجْتَنِبُهُ الْكَبِيرُ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ ، وَالْوُجُوبُ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَلِيِّ ; لِأَنَّ الصَّغِيرَ لَا يُخَاطَبُ بِخِطَابٍ تَكْلِيفِيٍّ . وَعَنْ عَائِشَةَ : أَنَّهَا كَانَتْ تُجَرِّدُ الصِّبْيَانَ إِذَا دَنَوْا مِنَ الْحَرَمِ ، وَقَالَ عَطَاءٌ يَفْعَلُ بِهِ كَمَا يَفْعَلُ الْكَبِيرُ ، وَيَشْهَدُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَنْهُ ، فَإِنْ وَطِئَ فِيهِ فَسَدَ حَجُّهُ ، وَلَزِمَهُ الْمُضِيُّ فِيهِ ، وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ ، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، كَالْمَجْنُونِ إِذَا احْتَلَمَ ، وَقِيلَ : يَصِحُّ قَبْلَ بُلُوغِهِ كَالْبَالِغِ ، وَقِيلَ : لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِاسْتِلْزَامِهِ وُجُوبَ عِبَادَةٍ بَدَنِيَّةٍ عَلَى غَيْرِ الْمُكَلَّفِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إِذَا قَضَى بَدَأَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَهَا انْصَرَفَ إِلَيْهَا ، وَهَلْ يُجْزِئُهُ عَنِ الْقَضَاءِ بِفِطْرٍ ، فَإِنْ كَانَ أَدْرَكَ فِي الْفَاسِدَةِ جُزْءًا مِنَ الْوُقُوفِ بَعْدَ بُلُوغِهِ أَجْزَأَ عَنْهُمَا جَمِيعًا ، وَإِلَّا فَلَا .
( وَنَفَقَةُ الْحَجِّ وَكَفَّارَتُهُ فِي مَالِ الْوَلِيِّ ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ; لِأَنَّهُ السَّبَبُ فِيهِ ، وَكَمَا لَوْ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ ، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ ( وَعَنْهُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ ) اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ ; لِأَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَتِهِ لِيَأْلَفَ الْحَجَّ ، وَيَتَمَرَّنَ عَلَيْهِ ، وَكَأُجْرَةِ الطَّبِيبِ ، وَحَامِلِهِ لِشُهُودِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ يَخْتَصُّ بِمَا زَادَ عَلَى نَفَقَةِ الْحَضَرِ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ خِلَافًا لِلْقَاضِي فَإِنَّهُ أَوْجَبَهَا عَلَى الصَّغِيرِ مُطْلَقًا ، وَاخْتَارَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ الْأَوَّلَ ، زَادَ الْمَجْدُ : وَمَالُهُ كَثِيرٌ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ فَأَمَّا سَفَرُهُ مَعَهُ لِخِدْمَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ إِلَى مَكَّةَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فَهِيَ عَلَى الصَّبِيِّ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَقَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْوَلِيِّ 89 وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ ، وَالْمُؤَلِّفُ سَوَّى بَيْنَهُمَا كَغَيْرِهِ ، وَيَخْتَصُّ الْخِلَافُ مَا فَعَلَهُ الصَّبِيُّ ، وَيَلْزَمُ الْبَالِغَ كَفَّارَتُهُ مَعَ خَطَأٍ وَنِسْيَانٍ ، قَالَ الْمَجْدُ : أَوْ فَعَلَهُ الْوَلِيُّ لِمَصْلَحَتِهِ كَتَغْطِيَةِ رَأْسِهِ لِبَرْدٍ أَوْ تَطْبِيبِهِ لِمَرَضٍ ، وَإِنْ فَعَلَهُ بِهِ الْوَلِيُّ لَا لِعُذْرٍ ، فَالْفِدْيَةُ عَلَيْهِ ، وَمَا لَا يَلْزَمُ الْبَالِغَ كَفَّارَتُهُ مَعَ خَطَأٍ وَنِسْيَانٍ ، لَا يَلْزَمُ الصَّبِيَّ ; لِأَنَّ عَمْدَهُ خَطَأٌ ، فَإِذَا وَجَبَتْ عَلَى الْوَلِيِّ وَدَخَلَ فِيهَا الصَّوْمُ [ صَامَ عَنْهُ لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ ابْتِدَاءً ] ، كَصَوْمِهَا عَنْ نَفْسِهِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث