الاختيار لتعليل المختار
الاختيار لتعليل المختار · الجزء الرابع
الصفحة 481 · ص. المطبوع 395 · الشرح
فَصْلٌ
[ الْغَنِيمَةُ ]
الْغَنِيمَةُ : اسْمٌ لِمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ عَلَى وَجْهِ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ ، وَمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ هَدِيَّةً أَوْ سَرِقَةً أَوْ خِلْسَةً أَوْ هِبَةً فَلَيْسَ بِغَنِيمَةٍ ، وَهُوَ لِلْآخِذِ خَاصَّةً .
قَالَ : ( وَلَا تُقَسَّمُ غَنِيمَةٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ ) لَكِنْ يُخْرِجُهَا إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَيُقَسِّمُهَا . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إِنْ قُسِّمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ جَازَ ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ تُقَسَّمَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ .
( وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ ) وَلَا فِي دَارِ الْحَرْبِ .
( وَمَنْ مَاتَ مِنَ الْغَانِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا سَهْمَ لَهُ ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ إِحْرَازِهَا بِدَارِنَا فَنَصِيبُهُ لِوَرَثَتِهِ ) وَإِذَا لَحِقَهُمُ الْمَدَدُ فِي دَارِ الْحَرْبِ شَارَكُوهُمْ فِيهَا ، وَلَا تُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ ، وَأَصْلُهُ أَنَّ الْغَنَائِمَ لَا تُمْلَكُ بِالْإِصَابَةِ وَيَثْبُتُ فِيهَا الْحَقُّ ، وَهُوَ الْيَدُ النَّاقِلَةُ الْمُتَصَرِّفَةُ وَيَتَأَكَّدُ الْحَقُّ بِالْإِحْرَازِ وَيَثْبُتُ بِالْقِسْمَةِ ، فَلَوْ أَسْلَمَ الْأَسِيرُ بَعْدَ الْأَخْذِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ لَا يَكُونُ حُرًّا ، وَلَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْأَخْذِ يَكُونُ حُرًّا; وَالدَّلِيلُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " ۝ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَنِيمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ " ، وَالْقِسْمَةُ بَيْعٌ مَعْنًى فَيَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ ، ۝ وَلِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَسَّمَ غَنَائِمَ بَدْرٍ بِالْمَدِينَةِ وَلَوْ جَازَ قِسْمَتُهَا قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يُؤَخِّرْهَا ، لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْحَقِّ عَنْ مُسْتَحَقِّهِ لَا يَجُوزُ مَعَ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، وَلِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا بِالْمُسْلِمِينَ ، لِأَنَّ الْمَدَدَ يَقْطَعُ طَمَعَهُمْ عَنْهَا فَلَا يَلْحَقُونَهُمْ فَلَا تُؤْمَنُ كَرَّةُ 395 الْكُفَّارِ عَلَيْهِمْ ، وَرُبَّمَا كَانَ سَبَبًا لِرُجُوعِ الْكَرَّةِ عَلَيْهِمْ ، لِاشْتِغَالِ كُلٍّ مِنْهُمْ بِحَمْلِ نَصِيبَهُ وَالدُّخُولِ إِلَى وَطَنِهِ ، وَمَا رُوِيَ ۝ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَسَّمَ غَنَائِمَ خَيْبَرَ فِيهَا وَغَنَائِمَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فِيهَا فَإِنَّهُ فَتَحَهَا وَصَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ ، وَلَوْ قَسَّمَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ قَضَى فِي مُجْتَهَدٍ فِيهِ .
قَالَ : ( وَالرِّدْءُ وَالْمُقَاتِلُ فِي الْغَنِيمَةِ سَوَاءٌ ) لِاسْتِوَائِهِمْ فِي السَّبَبِ وَهُوَ الْمُجَاوَرَةُ أَوْ شُهُودُ الْوَقْعَةِ عَلَى مَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَلِأَنَّ إِرْهَابَ الْعَدُوِّ يَحْصُلُ بِالرَّدْءِ مِثْلَ الْمُقَاتِلِ أَوْ أَكْثَرُ فَقَدْ شَارَكُوا الْمُقَاتِلَةَ فِي السَّبَبِ فَيُشَارِكُونَهُمْ فِي الِاسْتِحْقَاقِ .
قَالَ : ( وَإِذَا لَحِقَهُمْ مَدَدٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ شَارَكُوهُمْ فِيهَا ) لِمَا مَرَّ . وَبِذَلِكَ كَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَإِنَّمَا تَنْقَطِعُ شَرِكَتُهُمْ إِمَّا بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ ، أَوْ بِالْقِسْمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، أَوْ بِبَيْعِ الْإِمَامِ الْغَنِيمَةَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُ هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ انْقَطَعَتِ الشَّرِكَةُ ، لِأَنَّ الْمِلْكَ يَسْتَقِرُّ بِهِ ، وَاسْتِقْلَالُ الْمِلْكِ يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ . وَلَوْ فَتَحَ الْعَسْكَرُ بَلَدًا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَاسْتَظْهَرُوا عَلَيْهِ ثُمَّ لَحِقَهُمْ مَدَدٌ لَمْ يُشَارِكُوهُمْ لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ بَلَدِ الْإِسْلَامِ فَصَارَتِ الْغَنِيمَةُ مُحْرَزَةً بِدَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا يُشَارِكُونَهُمْ .
قَالَ : ( وَلَيْسَ لِلسُّوقَةِ سَهْمٌ إِلَّا أَنْ يُقَاتِلُوا ) لِعَدَمِ السَّبَبِ فِي حَقِّهِمْ ، وَهُوَ الْمُجَاوَزَةُ بِقَصْدِ الْقِتَالِ فَيُعْتَبَرُ السَّبَبُ الْآخَرُ وَهُوَ حَقِيقَةُ الْقِتَالِ ، وَيُعْتَبَرُ حَالُهُ عِنْدَ الْقِتَالِ فَارِسًا أَوْ رَاجِلًا ، وَكَذَلِكَ التَّاجِرُ لِمَا بَيَّنَّا .
قَالَ : ( فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ مَا يَحْمِلُ عَلَيْهِ الْغَنَائِمَ أَوْدَعَهَا الْغَانِمِينَ لِيُخْرِجُوهَا إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ يُقَسِّمُهَا ) لِمَا مَرَّ أَنَّ الْقِسْمَةَ لَا تَجُوزُ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، وَلَا بُدَّ مِنَ الْحَمْلِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ كَانَ فِي الْغَنِيمَةِ حَمُولَةٌ حَمَلَ عَلَيْهَا ، لِأَنَّ الْمَحْمُولَ وَالْمَحْمُولَةَ لَهُمْ; وَكَذَا إِنْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ فَضْلُ حَمُولَةٍ فِي بَيْتِ الْمَالِ حَمَلَ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ مَالُ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فَمَنْ كَانَ مِنَ الْغَانِمِينَ مَعَهُ فَضْلُ حَمُولَةٍ يَحْمِلُ عَلَيْهَا بِالْأَجْرِ بِطِيبَةِ نَفْسِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَطِبْ لَا يَحْمِلْ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِمَالِ الْمُسْلِمِ إِلَّا بِطِيبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ ، هَذِهِ رِوَايَةُ السَّيْرِ الصَّغِيرِ ، وَذَكَرَ فِي السَّيْرِ الْكَبِيرِ 396 أَنَّهُ يَحْمِلُ عَلَى كُرْهٍ مِنْهُ بِأَجْرِ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ ضَرُورَةٌ وَحَالَةُ الضَّرُورَةِ مُسْتَثْنَاةٌ كَمَا إِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ فِي الْمَفَازَةِ أَوْ فِي الْبَحْرِ أَوْ فِي الزَّرْعِ نَقُلْ تَنْعَقِدُ مُدَّةٌ أُخْرَى بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَكَذَا هَذَا ، فَإِذَا لَمْ يَجِدْ حَمُولَةً أَصْلًا ذَبَحَ وَأَحْرَقَ وَقَتَلَ عَلَى مَا بَيَّنَّا .
قَالَ : ( وَيَجُوزُ لِلْعَسْكَرِ أَنْ يَعْلِفُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ ، وَيَأْكُلُوا الطَّعَامَ ، وَيَدَّهِنُوا بِالدُّهْنِ وَيُقَاتِلُوا بِالسِّلَاحِ ، وَيَرْكَبُوا الدَّوَابَّ ، وَيَلْبَسُوا الثِّيَابَ إِذَا احْتَاجُوا إِلَى ذَلِكَ ) لِمَا ۝ رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ جَيْشًا غَنِمُوا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا وَعَسَلًا فَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُمُ الْخُمْسَ وَعَنْ أَوْفَى بْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّ الطَّعَامَ يَوْمَ خَيْبَرَ لَمْ يُخَمَّسْ ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا احْتَاجَ إِلَى شَيْءٍ ذَهَبَ فَأَخَذَهُ " وَكَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى أَمِيرِ الْجَيْشِ بِالشَّامِ : مُرِ الْعَسْكَرَ فَلْيَأْكُلُوا وَلِيَعْلِفُوا وَلَا يَبِيعُوا بِذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ ، فَمَنْ بَاعَ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَفِيهِ الْخُمْسُ وَلِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ حَمْلُ الطَّعَامِ أَوِ الْعَلَفِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ وَالْمِيرَةُ مُنْقَطِعَةٌ عَنْهُمْ ، فَإِنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ لَا يَبِيعُونَهُمْ فَلَوْ لَمْ نُجِزْ لَهُمْ ذَلِكَ ضَاقَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ ، أَوْ نَقُولُ : الطَّعَامُ وَالْعَلَفُ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ غَالِبًا فَلَا تَجْرِي فِيهِ الْمُمَانَعَةُ فَلِذَلِكَ جَازَ .
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ وَلَا عُرُوضٍ ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا أُبِيحَ لَهُمْ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُمُ الْبَيْعُ كَمَنْ أَبَاحَ طَعَامَهُ لِغَيْرِهِ وَيَرُدُّونَ الثَّمَنَ إِلَى الْغَنِيمَةِ لِأَنَّهُ صَارَ مَالًا يَجْرِي فِيهِ التَّمَانُعُ كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ .
( فَإِذَا خَرَجُوا إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ) لِأَنَّ الْحَاجَةَ زَالَتْ ، وَلِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ حَقُّ الْغَانِمِينَ بِالْحِيَازَةِ فَلَا يَنْتَفِعُ بَعْضُهُمْ بِغَيْرِ إِذَنِ الْبَاقِينَ .
قَالَ : ( وَيَرُدُّونَ مَا فَضَلَ مَعَهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَيَتَصَدَّقُونَ بِهِ بَعْدَهَا ) لِيُقْسَمَ عَلَى مُسْتَحِقِّيهِ ، فَإِنْ وَقَعَتِ الْقِسْمَةُ يَتَصَدَّقُونَ بِهِ ، يَعْنِي إِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ ، وَإِنْ كَانُوا مُحْتَاجِينَ انْتَفَعُوا بِهِ لِأَنَّهُ لَا 397 يُمْكِنُ قِسْمَةُ ذَلِكَ بَيْنَ جَمَاعَةِ الْجَيْشِ فَصَارَ كَمَالٌ لَا يُمْكِنُ إِيصَالُهُ إِلَى مُسْتَحِقِّيهِ وَحُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَا كَاللُّقَطَةِ ، وَإِنِ انْتَفَعُوا بِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ إِنْ كَانَ غَنِيًّا تَصَدَّقَ بِقِيمَتِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ لِمَا بَيَّنَّا وَيَرُدُّهُ إِلَى الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ إِيصَالًا لِلْحَقِّ إِلَى مُسْتَحَقِّهِ ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا رَدَّ قِيمَتَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بَعْدَهَا عَلَى مَا بَيَّنَّا ، فَإِذَا ذَبَحُوا الْبَقَرَ أَوِ الْغَنَمَ رَدُّوا الْجُلُودَ إِلَى الْغَنِيمَةِ إِذْ لَا حَاجَةَ لَهُمْ إِلَيْهَا ، وَلَا وَيَنْتَفِعُ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا مَنْ لَهُ سَهْمٌ مِنَ الْغَنِيمَةِ أَوْ يَرْضَخُ لَهُ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا ، وَيُطْعِمُ مَنْ مَعَهُ مِنَ النِّسَاءِ وَالْأَوْلَادِ وَالْمَمَالِيكِ وَلَا يُطْعِمُ الْأَجِيرَ ، وَكَذَلِكَ الْمَدَدُ ، وَلَوْ أَهْدَاهُ إِلَى تَاجِرٍ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ خُبْزَ الْحِنْطَةِ أَوْ طَبِيخَ اللَّحْمِ فَلَا بَأْسَ بِالْأَكْلِ مِنْهُ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالِاسْتِهْلَاكِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث