تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
الصفحة 934 · ص. المطبوع 549
( وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ( 89 ) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ( 90 ) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ( 91 ) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 93 ) )
يَأْمُرُ تَعَالَى نَبِيَّهُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - أَنْ يَقُولَ لِلنَّاسِ : إِنَّهُ ( النَّذِيرُ الْمُبِينُ ) الْبَيِّنُ النِّذَارَةِ ، نَذِيرٌ لِلنَّاسِ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ عَلَى تَكْذِيبِهِ كَمَا حَلَّ بِمَنْ تَقَدَّمَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ لِرُسُلِهَا ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالِانْتِقَامِ .
وَقَوْلُهُ : ( الْمُقْتَسِمِينَ ) أَيِ : الْمُتَحَالِفِينَ ، أَيْ : تَحَالَفُوا عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَتَكْذِيبِهِمْ وَأَذَاهُمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ قَوْمِ صَالِحٍ أَنَّهُمْ : ( قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ) [ النَّمْلِ : 46 ] أَيْ : نَقْتُلُهُمْ لَيْلًا قَالَ مُجَاهِدٌ : تَقَاسَمُوا : تَحَالَفُوا .
( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ) [ النَّحْلِ : 38 ] ( أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ ) [ إِبْرَاهِيمَ : 44 ] ( أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ) [ الْأَعْرَافِ : 49 ] فَكَأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُكَذِّبُونَ بِشَيْءٍ إِلَّا أَقْسَمُوا عَلَيْهِ ، فَسُمُّوا مُقْتَسِمِينَ . 549
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : الْمُقْتَسِمُونَ أَصْحَابُ صَالِحٍ ، الَّذِينَ تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنْ أَبِي مُوسَى [ الْأَشْعَرِيِّ ] عَنِ ۝ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ ، كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ : يَا قَوْمُ ، إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ ، فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ ! فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَأَدْلَجُوا ، وَانْطَلَقُوا عَلَى مَهْلِهِمْ فَنَجَوْا ، وَكَذَّبَهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ ، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي وَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ "
وَقَوْلُهُ : ( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) أَيْ : جَزَّءُوا كُتُبَهُمُ الْمُنَزَّلَةَ عَلَيْهِمْ ، فَآمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ .
قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَنْبَأَنَا أَبُو بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) قَالَ : هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ ، جَزَّءُوهُ أَجْزَاءً ، فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ ، وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ) قَالَ : آمَنُوا بِبَعْضٍ ، وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ : الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالضَّحَّاكِ مِثْلُ ذَلِكَ .
وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) قَالَ : السِّحْرُ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : الْعَضْهُ : السِّحْرُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ ، تَقُولُ لِلسَّاحِرَةِ : إِنَّهَا الْعَاضِهَةُ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : عَضُوهُ أَعْضَاءً ، قَالُوا : سِحْرٌ ، وَقَالُوا : كِهَانَةٌ ، وَقَالُوا : أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ .
وَقَالَ عَطَاءٌ : قَالَ بَعْضُهُمْ : سَاحِرٌ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَجْنُونٌ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ كَاهِنٌ . فَذَلِكَ الْعِضِينُ ، وَكَذَا رُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ وَغَيْرِهِ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ سَعِيدٍ أَوْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِيهِمْ ، وَقَدْ حَضَرَ الْمَوْسِمُ فَقَالَ لَهُمْ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، إِنَّهُ قَدْ حَضَرَ هَذَا الْمَوْسِمُ ، وَإِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ سَتَقْدَمُ عَلَيْكُمْ فِيهِ ، وَقَدْ سَمِعُوا بِأَمْرِ 550 صَاحِبِكُمْ هَذَا ، فَأَجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا وَاحِدًا وَلَا تَخْتَلِفُوا فَيُكَذِّبَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ، وَيَرُدَّ قَوْلُكُمْ بَعْضُهُ بَعْضًا . فَقَالُوا : وَأَنْتَ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ ، فَقُلْ وَأَقِمْ لَنَا رَأْيًا نَقُولُ بِهِ . قَالَ : بَلْ أَنْتُمْ قُولُوا لِأَسْمَعَ . قَالُوا : نَقُولُ كَاهِنٌ " . قَالَ : مَا هُوَ بِكَاهِنٍ . قَالُوا : فَنَقُولُ : " مَجْنُونٌ " . قَالَ : مَا هُوَ بِمَجْنُونٍ ! قَالُوا فَنَقُولُ : " شَاعِرٌ " . قَالَ : مَا هُوَ بِشَاعِرٍ . قَالُوا : فَنَقُولُ : " سَاحِرٌ " . قَالَ : مَا هُوَ بِسَاحِرٍ . قَالُوا : فَمَاذَا نَقُولُ ؟ قَالَ : وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ حَلَاوَةً ، فَمَا أَنْتُمْ بِقَائِلِينَ مِنْ هَذَا شَيْئًا إِلَّا عُرِفَ أَنَّهُ بَاطِلٌ ، وَإِنَّ أَقْرَبَ الْقَوْلِ أَنْ تَقُولُوا : هُوَ سَاحِرٌ . فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ بِذَلِكَ ، وأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ : ( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) أَصْنَافًا ( فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) دُوَيْنَكَ النَّفَرُ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ .
وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ : ( لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) قَالَ : عَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَنْبَأَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ لَيْثٍ - هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمٍ - عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ( لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) قَالَ : عَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ ، وَأَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ الْقَاضِي ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) [ قَالَ ] عَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
وَرَوَاهُ ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ بَشِيرٍ عَنْ أَنَسٍ مَوْقُوفًا
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ هِلَالٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ - : وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ ، مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيَخْلُو اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، كَمَا يَخْلُو أَحَدُكُمْ بِالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، فَيَقُولُ : ابْنَ آدَمَ مَاذَا غَرَّكَ مِنِّي بِي ؟ ابْنَ آدَمَ مَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ ؟ ابْنَ آدَمَ ، مَاذَا أَجَبْتَ الْمُرْسَلِينَ ؟
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : قَالَ : يُسْأَلُ الْعِبَادُ كُلُّهُمْ عَنْ خُلَّتَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، عَمَّا كَانُوا يَعْبُدُونَ ، وَمَاذَا أَجَابُوا الْمُرْسَلِينَ . 551
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمَلِكَ ، وَعَنْ مَالِكَ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ الْحَذَّاءُ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ۝ يَا مُعَاذُ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُسْأَلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ جَمِيعِ سَعْيِهِ ، حَتَّى كُحْلِ عَيْنَيْهِ ، وَعَنْ فُتَاتِ الطِّينَةِ بِأُصْبُعَيْهِ ، فَلَا أَلْفِيَنَّكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَحَدٌ أَسْعَدُ بِمَا آتَى اللَّهُ مِنْكَ "
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ثُمَّ قَالَ ( فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ ) [ الرَّحْمَنِ : 39 ] قَالَ : لَا يَسْأَلُهُمْ : هَلْ عَمِلْتُمْ كَذَا ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْهُمْ ، وَلَكِنْ يَقُولُ : لِمَ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ؟
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث