تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ( 32 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى : ثُمَّ جَعَلْنَا الْقَائِمِينَ بِالْكِتَابِ الْعَظِيمِ ، الْمُصَدِّقُ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكُتُبِ ، الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ، وَهُمْ هَذِهِ الْأُمَّةُ ، ثُمَّ قَسَّمَهُمْ إِلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ ، فَقَالَ : ( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ) وَهُوَ : الْمُفَرِّطُ فِي فِعْلِ بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ ، الْمُرْتَكِبُ لِبَعْضِ الْمُحَرَّمَاتِ . ( وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ) وَهُوَ : الْمُؤَدِّي لِلْوَاجِبَاتِ ، التَّارِكُ لِلْمُحَرَّمَاتِ ، وَقَدْ يَتْرُكُ بَعْضَ الْمُسْتَحَبَّاتِ ، وَيَفْعَلُ بَعْضَ الْمَكْرُوهَاتِ . ( وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ) وَهُوَ : الْفَاعِلُ لِلْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ ، التَّارِكُ لِلْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَبَعْضِ الْمُبَاحَاتِ .
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) ، قَالَ : هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَّثَهُمُ اللَّهُ كُلَّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ ، فَظَالِمُهُمْ يُغْفَرُ لَهُ ، وَمُقْتَصِدُهُمْ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ، وَسَابِقُهُمْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ .
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْعُتْبِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ بْنُ السَّرْحِ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّنْعَانِيُّ ، حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ : " شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ 547 أُمَّتِي " . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وَالْمُقْتَصِدُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ ، وَالظَّالِمُ لِنَفْسِهِ وَأَصْحَابُ الْأَعْرَافِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ : أَنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ الْمُصْطَفَيْنَ ، عَلَى مَا فِيهِ مِنْ عِوَجٍ وَتَقْصِيرٍ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَلَا مِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْوَارِثِينَ الْكِتَابَ .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : ( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ) قَالَ : هُوَ الْكَافِرُ . وَكَذَا رَوَى عَنْهُ عِكْرِمَةُ ، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ أَيْضًا فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ) قَالَ : هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ .
وَقَالَ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَالْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ : هُوَ الْمُنَافِقُ .
ثُمَّ قَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ : وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ كَالْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ " الْوَاقِعَةِ " وَآخِرِهَا .
وَالصَّحِيحُ : أَنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ ، وَكَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِنْ طُرُقٍ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَنَحْنُ نُورِدُ مِنْهَا مَا تَيَسَّرَ :
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفَ يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ كِنَانَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ) ، قَالَ : " هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ وَكُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ " . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَفِي إِسْنَادِهِ مَنْ لَمْ يُسَمَّ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، بِهِ نَحْوَهُ .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : " بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ " أَيْ : فِي أَنَّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ فَرْقٌ فِي الْمَنَازِلِ فِي الْجَنَّةِ .
الْحَدِيثُ الثَّانِي : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ اللَّيْثِيُّ أَبُو ضَمْرَةَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ [ عَلِيِّ ] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيِّ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " قَالَ اللَّهُ : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ) ، فَأَمَّا الَّذِينَ سَبَقُوا فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وَأَمَّا الَّذِينَ اقْتَصَدُوا فَأُولَئِكَ يُحَاسِبُونَ حِسَابًا يَسِيرًا ، وَأَمَّا 548 الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يُحْبَسُونَ فِي طُولِ الْمَحْشَرِ ، ثُمَّ هُمُ الَّذِينَ تَلَافَاهُمْ بِرَحْمَتِهِ ، فَهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ) .
طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أُسَيْدُ بْنُ عَاصِمٍ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حَفْصٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ) قَالَ : " فَأَمَّا الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ فَيُحْبَسُ حَتَّى يُصِيبَهُ الْهَمُّ وَالْحُزْنُ ، ثُمَّ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ " .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ : ذَكَرَ أَبُو ثَابِتٍ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ ، آنِسْ وَحْشَتِي ، وَارْحَمْ غُرْبَتِي ، وَيَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا . قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : لَئِنْ كُنْتَ صَادِقًا لَأَنَا أَسْعَدُ بِكَ مِنْكَ ، سَأُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ مُنْذُ سَمِعْتُهُ مِنْهُ ذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ ) ، فَأَمَّا السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ فَيَدْخُلُهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَأَمَّا الْمُقْتَصِدُ فَيُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ، وَأَمَّا الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ فَيُصِيبُهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ مِنَ الْغَمِّ وَالْحُزْنِ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ) .
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ ، أَخْبَرَنَا سَهْلُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ الرَّازِّيُّ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أَخِيهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ : ( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ ) الْآيَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُلُّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ " .
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَزِيزٍ ، حَدَّثَنَا سَلَامَةُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " أُمَّتِي ثَلَاثَةُ أَثْلَاتٍ : فَثُلُثٌ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ ، وَثُلُثٌ يُحَاسَبُونَ حِسَابًا يَسِيرًا ثُمَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ، وَثُلُثٌ يُمَحَّصُونَ وَيُكْشَفُونَ ، ثُمَّ تَأْتِي الْمَلَائِكَةُ فَيَقُولُونَ : وَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ : " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ " . يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : صَدَقُوا ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا ، أَدْخِلُوهُمُ الْجَنَّةَ بِقَوْلِهِمْ : " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ " وَاحْمِلُوا خَطَايَاهُمْ عَلَى أَهْلِ النَّارِ ، وَهِيَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ ) [ الْعَنْكَبُوتِ : 13 ] ، وَتَصْدِيقُهَا فِي الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْمَلَائِكَةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) فَجَعَلَهُمْ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ ، وَهُمْ أَصْنَافٌ كُلُّهُمْ ، فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ 549 لِنَفْسِهِ ، فَهَذَا الَّذِي يُكْشَفُ وَيُمَحَّصُ " . غَرِيبٌ جِدًّا .
أَثَرٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا الْحَكِيمُ بْنُ بَشِيرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ شَقِيقِ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ قَالَ : هَذِهِ الْأُمَّةُ ثَلَاثَةُ أَثْلَاثٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : ثُلُثٌ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وَثُلُثٌ يُحَاسَبُونَ حِسَابًا يَسِيرًا ، وَثُلُثٌ يَجِيئُونَ بِذُنُوبٍ عِظَامٍ حَتَّى يَقُولَ : مَا هَؤُلَاءِ ؟ - وَهُوَ أَعْلَمُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى - فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ : هَؤُلَاءِ جَاءُوا بِذُنُوبٍ عِظَامٍ ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يُشْرِكُوا بِكَ فَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ : أَدْخِلُوا هَؤُلَاءِ فِي سِعَةِ رَحْمَتِي : وَتَلَا عَبْدُ اللَّهِ هَذِهِ الْآيَةَ : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ) الْآيَةَ .
أَثَرٌ آخَرُ : قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، عَنِ الصَّلْتِ بْنِ دِينَارٍ أَبُو شُعَيْبٍ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ صَهْبَانَ الْهُنَائِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ) الْآيَةَ ، فَقَالَتْ لِي : يَا بُنَيَّ ، هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ ، أَمَّا السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ فَمَنْ مَضَى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ، شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَيَاةِ وَالرِّزْقِ ، وَأَمَّا الْمُقْتَصِدُ فَمَنِ اتَّبَعَ أَثَرَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى لَحِقَ بِهِ ، وَأَمَّا الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ فَمِثْلِي وَمِثْلُكُمْ . قَالَ : فَجَعَلَتْ نَفْسَهَا مَعَنَا .
وَهَذَا مِنْهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، مِنْ بَابِ الْهَضْمِ وَالتَّوَاضُعِ ، وَإِلَّا فَهِيَ مِنْ أَكْبَرِ السَّابِقَيْنِ بِالْخَيْرَاتِ; لِأَنَّ فَضْلَهَا عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ) قَالَ : هِيَ لِأَهْلِ بَدْوِنَا ، وَمُقْتَصَدُنَا أَهْلُ حَضَرِنَا ، وَسَابِقُنَا أَهْلُ الْجِهَادِ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
وَقَالَ عَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا كَعْبُ الْأَحْبَارِ قَالَ : إِنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَالْمُقْتَصِدَ وَالسَّابِقَ بِالْخَيْرَاتِ كُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ ، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ) إِلَى قَوْلِهِ : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ ) قَالَ : فَهَؤُلَاءِ أَهْلُ النَّارِ .
[ وَ ] رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طُرُقٍ ، عَنْ عَوْفٍ ، بِهِ . ثُمَّ قَالَ :
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سَأَلَ كَعْبًا عَنْ قَوْلِهِ : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) إِلَى قَوْلِهِ : ( بِإِذْنِ اللَّهِ ) قَالَ : تَمَاسَّتْ مَنَاكِبُهُمْ وَرَبِّ كَعْبٍ ، ثُمَّ أُعْطُوا الْفَضْلَ بِأَعْمَالِهِمْ .
550 ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ بَشِيرٍ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) الْآيَةَ ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : أَمَّا مَا سَمِعْتُ مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً فَكُلُّهُمْ نَاجٍ .
ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ : إِنَّهَا أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ ، الظَّالِمُ مَغْفُورٌ لَهُ ، وَالْمُقْتَصِدُ فِي الْجِنَانِ عِنْدَ اللَّهِ ، وَالسَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ فِي الدَّرَجَاتِ عِنْدَ اللَّهِ .
وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، بِنَحْوِهِ .
وَقَالَ أَبُو الْجَارُودِ : سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ - يَعْنِي الْبَاقِرَ - عَنْ قَوْلِهِ : ( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ) فَقَالَ : هُوَ الَّذِي خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا .
فَهَذَا مَا تَيَسَّرَ مِنْ إِيرَادِ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذَا الْمَقَامِ . وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَإِنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، فَالْعُلَمَاءُ أَغْبَطُ النَّاسِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ ، فَإِنَّهُمْ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ :
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ : قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ - وَهُوَ بِدِمَشْقَ - فَقَالَ : مَا أَقْدَمَكَ أَيْ أَخِي ؟ قَالَ : حَدِيثٌ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَمَا قَدِمْتَ لِتِجَارَةٍ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : أَمَا قَدِمْتَ لِحَاجَةٍ ؟ قَالَ : لَا ؟ قَالَ : أَمَا قَدِمْتَ إِلَّا فِي طَلَبِ هَذَا الْحَدِيثِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا ، سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ ، وَإِنَّهُ لَيَسْتَغْفِرُ لِلْعَالَمِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ ، وَفَضْلُ الْعَالَمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ . إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا ، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ ، فَمِنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ " .
وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ - وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : قَيْسُ بْنُ كَثِيرٍ - عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَهُ وَاخْتِلَافَ الرُّوَاةِ فِيهِ فِي شَرْحِ " كِتَابِ الْعِلْمِ " مِنْ " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ " سُورَةِ طه " حَدِيثُ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَكَمِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْعُلَمَاءِ : إِنِّي لَمْ أَضَعْ عِلْمِي وَحُكْمِي فِيكُمْ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ [ أَنْ ] أَغْفِرَ لَكُمْ ، عَلَى مَا كَانَ مِنْكُمْ ، وَلَا أُبَالِي " .
يَقُولُ تَعَالَى : ثُمَّ جَعَلْنَا الْقَائِمِينَ بِالْكِتَابِ الْعَظِيمِ ، الْمُصَدِّقُ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكُتُبِ ، الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ، وَهُمْ هَذِهِ الْأُمَّةُ ، ثُمَّ قَسَّمَهُمْ إِلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ ، فَقَالَ : ( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ) وَهُوَ : الْمُفَرِّطُ فِي فِعْلِ بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ ، الْمُرْتَكِبُ لِبَعْضِ الْمُحَرَّمَاتِ . ( وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ) وَهُوَ : الْمُؤَدِّي لِلْوَاجِبَاتِ ، التَّارِكُ لِلْمُحَرَّمَاتِ ، وَقَدْ يَتْرُكُ بَعْضَ الْمُسْتَحَبَّاتِ ، وَيَفْعَلُ بَعْضَ الْمَكْرُوهَاتِ . ( وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ) وَهُوَ : الْفَاعِلُ لِلْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ ، التَّارِكُ لِلْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَبَعْضِ الْمُبَاحَاتِ .
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) ، قَالَ : هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَّثَهُمُ اللَّهُ كُلَّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ ، فَظَالِمُهُمْ يُغْفَرُ لَهُ ، وَمُقْتَصِدُهُمْ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ، وَسَابِقُهُمْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ .
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْعُتْبِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ بْنُ السَّرْحِ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّنْعَانِيُّ ، حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ : " شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ 547 أُمَّتِي " . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وَالْمُقْتَصِدُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ ، وَالظَّالِمُ لِنَفْسِهِ وَأَصْحَابُ الْأَعْرَافِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ : أَنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ الْمُصْطَفَيْنَ ، عَلَى مَا فِيهِ مِنْ عِوَجٍ وَتَقْصِيرٍ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَلَا مِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْوَارِثِينَ الْكِتَابَ .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : ( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ) قَالَ : هُوَ الْكَافِرُ . وَكَذَا رَوَى عَنْهُ عِكْرِمَةُ ، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ أَيْضًا فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ) قَالَ : هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ .
وَقَالَ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَالْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ : هُوَ الْمُنَافِقُ .
ثُمَّ قَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ : وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ كَالْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ " الْوَاقِعَةِ " وَآخِرِهَا .
وَالصَّحِيحُ : أَنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ ، وَكَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِنْ طُرُقٍ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَنَحْنُ نُورِدُ مِنْهَا مَا تَيَسَّرَ :
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفَ يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ كِنَانَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ) ، قَالَ : " هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ وَكُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ " . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَفِي إِسْنَادِهِ مَنْ لَمْ يُسَمَّ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، بِهِ نَحْوَهُ .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : " بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ " أَيْ : فِي أَنَّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ فَرْقٌ فِي الْمَنَازِلِ فِي الْجَنَّةِ .
الْحَدِيثُ الثَّانِي : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ اللَّيْثِيُّ أَبُو ضَمْرَةَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ [ عَلِيِّ ] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيِّ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " قَالَ اللَّهُ : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ) ، فَأَمَّا الَّذِينَ سَبَقُوا فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وَأَمَّا الَّذِينَ اقْتَصَدُوا فَأُولَئِكَ يُحَاسِبُونَ حِسَابًا يَسِيرًا ، وَأَمَّا 548 الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يُحْبَسُونَ فِي طُولِ الْمَحْشَرِ ، ثُمَّ هُمُ الَّذِينَ تَلَافَاهُمْ بِرَحْمَتِهِ ، فَهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ) .
طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أُسَيْدُ بْنُ عَاصِمٍ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حَفْصٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ) قَالَ : " فَأَمَّا الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ فَيُحْبَسُ حَتَّى يُصِيبَهُ الْهَمُّ وَالْحُزْنُ ، ثُمَّ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ " .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ : ذَكَرَ أَبُو ثَابِتٍ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ ، آنِسْ وَحْشَتِي ، وَارْحَمْ غُرْبَتِي ، وَيَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا . قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : لَئِنْ كُنْتَ صَادِقًا لَأَنَا أَسْعَدُ بِكَ مِنْكَ ، سَأُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ مُنْذُ سَمِعْتُهُ مِنْهُ ذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ ) ، فَأَمَّا السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ فَيَدْخُلُهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَأَمَّا الْمُقْتَصِدُ فَيُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ، وَأَمَّا الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ فَيُصِيبُهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ مِنَ الْغَمِّ وَالْحُزْنِ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ) .
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ ، أَخْبَرَنَا سَهْلُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ الرَّازِّيُّ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أَخِيهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ : ( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ ) الْآيَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُلُّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ " .
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَزِيزٍ ، حَدَّثَنَا سَلَامَةُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " أُمَّتِي ثَلَاثَةُ أَثْلَاتٍ : فَثُلُثٌ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ ، وَثُلُثٌ يُحَاسَبُونَ حِسَابًا يَسِيرًا ثُمَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ، وَثُلُثٌ يُمَحَّصُونَ وَيُكْشَفُونَ ، ثُمَّ تَأْتِي الْمَلَائِكَةُ فَيَقُولُونَ : وَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ : " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ " . يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : صَدَقُوا ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا ، أَدْخِلُوهُمُ الْجَنَّةَ بِقَوْلِهِمْ : " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ " وَاحْمِلُوا خَطَايَاهُمْ عَلَى أَهْلِ النَّارِ ، وَهِيَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ ) [ الْعَنْكَبُوتِ : 13 ] ، وَتَصْدِيقُهَا فِي الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْمَلَائِكَةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) فَجَعَلَهُمْ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ ، وَهُمْ أَصْنَافٌ كُلُّهُمْ ، فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ 549 لِنَفْسِهِ ، فَهَذَا الَّذِي يُكْشَفُ وَيُمَحَّصُ " . غَرِيبٌ جِدًّا .
أَثَرٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا الْحَكِيمُ بْنُ بَشِيرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ شَقِيقِ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ قَالَ : هَذِهِ الْأُمَّةُ ثَلَاثَةُ أَثْلَاثٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : ثُلُثٌ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وَثُلُثٌ يُحَاسَبُونَ حِسَابًا يَسِيرًا ، وَثُلُثٌ يَجِيئُونَ بِذُنُوبٍ عِظَامٍ حَتَّى يَقُولَ : مَا هَؤُلَاءِ ؟ - وَهُوَ أَعْلَمُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى - فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ : هَؤُلَاءِ جَاءُوا بِذُنُوبٍ عِظَامٍ ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يُشْرِكُوا بِكَ فَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ : أَدْخِلُوا هَؤُلَاءِ فِي سِعَةِ رَحْمَتِي : وَتَلَا عَبْدُ اللَّهِ هَذِهِ الْآيَةَ : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ) الْآيَةَ .
أَثَرٌ آخَرُ : قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، عَنِ الصَّلْتِ بْنِ دِينَارٍ أَبُو شُعَيْبٍ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ صَهْبَانَ الْهُنَائِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ) الْآيَةَ ، فَقَالَتْ لِي : يَا بُنَيَّ ، هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ ، أَمَّا السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ فَمَنْ مَضَى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ، شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَيَاةِ وَالرِّزْقِ ، وَأَمَّا الْمُقْتَصِدُ فَمَنِ اتَّبَعَ أَثَرَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى لَحِقَ بِهِ ، وَأَمَّا الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ فَمِثْلِي وَمِثْلُكُمْ . قَالَ : فَجَعَلَتْ نَفْسَهَا مَعَنَا .
وَهَذَا مِنْهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، مِنْ بَابِ الْهَضْمِ وَالتَّوَاضُعِ ، وَإِلَّا فَهِيَ مِنْ أَكْبَرِ السَّابِقَيْنِ بِالْخَيْرَاتِ; لِأَنَّ فَضْلَهَا عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ) قَالَ : هِيَ لِأَهْلِ بَدْوِنَا ، وَمُقْتَصَدُنَا أَهْلُ حَضَرِنَا ، وَسَابِقُنَا أَهْلُ الْجِهَادِ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
وَقَالَ عَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا كَعْبُ الْأَحْبَارِ قَالَ : إِنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَالْمُقْتَصِدَ وَالسَّابِقَ بِالْخَيْرَاتِ كُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ ، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ) إِلَى قَوْلِهِ : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ ) قَالَ : فَهَؤُلَاءِ أَهْلُ النَّارِ .
[ وَ ] رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طُرُقٍ ، عَنْ عَوْفٍ ، بِهِ . ثُمَّ قَالَ :
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سَأَلَ كَعْبًا عَنْ قَوْلِهِ : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) إِلَى قَوْلِهِ : ( بِإِذْنِ اللَّهِ ) قَالَ : تَمَاسَّتْ مَنَاكِبُهُمْ وَرَبِّ كَعْبٍ ، ثُمَّ أُعْطُوا الْفَضْلَ بِأَعْمَالِهِمْ .
550 ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ بَشِيرٍ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) الْآيَةَ ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : أَمَّا مَا سَمِعْتُ مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً فَكُلُّهُمْ نَاجٍ .
ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ : إِنَّهَا أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ ، الظَّالِمُ مَغْفُورٌ لَهُ ، وَالْمُقْتَصِدُ فِي الْجِنَانِ عِنْدَ اللَّهِ ، وَالسَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ فِي الدَّرَجَاتِ عِنْدَ اللَّهِ .
وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، بِنَحْوِهِ .
وَقَالَ أَبُو الْجَارُودِ : سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ - يَعْنِي الْبَاقِرَ - عَنْ قَوْلِهِ : ( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ) فَقَالَ : هُوَ الَّذِي خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا .
فَهَذَا مَا تَيَسَّرَ مِنْ إِيرَادِ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذَا الْمَقَامِ . وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَإِنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، فَالْعُلَمَاءُ أَغْبَطُ النَّاسِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ ، فَإِنَّهُمْ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ :
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ : قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ - وَهُوَ بِدِمَشْقَ - فَقَالَ : مَا أَقْدَمَكَ أَيْ أَخِي ؟ قَالَ : حَدِيثٌ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَمَا قَدِمْتَ لِتِجَارَةٍ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : أَمَا قَدِمْتَ لِحَاجَةٍ ؟ قَالَ : لَا ؟ قَالَ : أَمَا قَدِمْتَ إِلَّا فِي طَلَبِ هَذَا الْحَدِيثِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا ، سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ ، وَإِنَّهُ لَيَسْتَغْفِرُ لِلْعَالَمِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ ، وَفَضْلُ الْعَالَمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ . إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا ، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ ، فَمِنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ " .
وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ - وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : قَيْسُ بْنُ كَثِيرٍ - عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَهُ وَاخْتِلَافَ الرُّوَاةِ فِيهِ فِي شَرْحِ " كِتَابِ الْعِلْمِ " مِنْ " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ " سُورَةِ طه " حَدِيثُ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَكَمِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْعُلَمَاءِ : إِنِّي لَمْ أَضَعْ عِلْمِي وَحُكْمِي فِيكُمْ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ [ أَنْ ] أَغْفِرَ لَكُمْ ، عَلَى مَا كَانَ مِنْكُمْ ، وَلَا أُبَالِي " .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث