تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
الصفحة 1137 · ص. المطبوع 296
( قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى ( 45 ) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ( 46 ) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ( 47 ) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 48 ) )
يَقُولُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ مُوسَى وَهَارُونَ ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ، أَنَّهُمَا قَالَا مُسْتَجِيرِينَ بِاللَّهِ تَعَالَى شَاكِيَيْنِ 296 إِلَيْهِ : ( إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى ) يَعْنِيَانِ أَنْ يَبْدُرَ إِلَيْهِمَا بِعُقُوبَةٍ ، أَوْ يَعْتَدِيَ عَلَيْهِمَا فَيُعَاقِبَهُمَا وَهُمَا لَا يَسْتَحِقَّانِ مِنْهُ ذَلِكَ .
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ : ( أَنْ يَفْرُطَ ) يَعْجَلَ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : يَبْسُطَ عَلَيْنَا .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( أَوْ أَنْ يَطْغَى ) : يَعْتَدِيَ .
( قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ) أَيْ : لَا تَخَافَا مِنْهُ ، فَإِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ كَلَامَكُمَا وَكَلَامَهُ ، وَأَرَى مَكَانَكُمَا وَمَكَانَهُ ، لَا يَخْفَى عَلَيَّ مِنْ أَمْرِكُمْ شَيْءٌ ، وَاعْلَمَا أَنَّ نَاصِيَتَهُ بِيَدِي ، فَلَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يَتَنَفَّسُ وَلَا يَبْطِشُ إِلَّا بِإِذْنِي وَبَعْدَ أَمْرِي ، وَأَنَا مَعَكُمَا بِحِفْظِي وَنَصْرِي وَتَأْيِيدِي .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُوسَى إِلَى فِرْعَوْنَ قَالَ : رَبِّ ، أَيُّ شَيْءٍ أَقُولُ ؟ قَالَ : قُلْ : هَيَا شَرَاهِيَا . قَالَ الْأَعْمَشُ : فَسَّرَ ذَلِكَ : الْحَيُّ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ ، وَالْحَيُّ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ .
إِسْنَادٌ جَيِّدٌ ، وَشَيْءٌ غَرِيبٌ .
( فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ ) ، قَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ " الْفُتُونِ " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : مَكَثَا عَلَى بَابِهِ حِينًا لَا يُؤْذَنُ لَهُمَا ، ثُمَّ أُذِنَ لَهُمَا بَعْدَ حِجَابٍ شَدِيدٍ .
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّ مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ خَرَجَا ، فَوَقَفَا بِبَابِ فِرْعَوْنَ يَلْتَمِسَانِ الْإِذْنَ عَلَيْهِ وَهُمَا يَقُولَانِ : إِنَّا رُسُلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، فَآذِنُوا بِنَا هَذَا الرَّجُلَ ، فَمَكَثَا فِيمَا بَلَغَنِي سَنَتَيْنِ يَغْدُوَانِ وَيَرُوحَانِ ، لَا يَعْلَمُ بِهِمَا وَلَا يَجْتَرِئُ أَحَدٌ عَلَى أَنْ يُخْبِرَهُ بِشَأْنِهِمَا ، حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ بَطَّالٌ لَهُ يُلَاعِبُهُ وَيُضْحِكُهُ ، فَقَالَ لَهُ : أَيُّهَا الْمَلِكُ ، إِنَّ عَلَى بَابِكَ رَجُلًا يَقُولُ قَوْلًا عَجِيبًا ، يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ إِلَهًا غَيْرَكَ أَرْسَلَهُ إِلَيْكَ . قَالَ : بِبَابِي ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : أَدْخِلُوهُ ، فَدَخَلَ وَمَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ وَفِي يَدِهِ عَصَاهُ ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى فِرْعَوْنَ قَالَ : إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ . فَعَرَفَهُ فِرْعَوْنُ .
وَذَكَرَ السُّدِّيُّ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ بِلَادَ مِصْرَ ، ضَافَ أُمَّهُ وَأَخَاهُ وَهُمَا لَا يَعْرِفَانِهِ ، وَكَانَ طَعَامُهُمَا لَيْلَتَئِذٍ الطَّعْثَلِلَ وَهُوَ اللِّفْتُ ، ثُمَّ عَرَفَاهُ وَسَلَّمَا عَلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى : يَا هَارُونُ ، إِنَّ رَبِّي قَدْ أَمَرَنِي أَنْ آتِيَ هَذَا الرَّجُلَ فِرْعَوْنَ فَأَدْعُوَهُ إِلَى اللَّهِ ، وَأَمَرَ أَنْ تُعَاوِنَنِي . قَالَ : افْعَلْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ . فَذَهَبَا ، وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلًا فَضَرَبَ مُوسَى بَابَ الْقَصْرِ بِعَصَاهُ ، فَسَمِعَ فِرْعَوْنُ فَغَضِبَ وَقَالَ مَنْ يَجْتَرِئُ عَلَى هَذَا 297 الصَّنِيعِ ؟ فَأَخْبَرَهُ السَّدَنَةُ وَالْبَوَّابُونَ بِأَنَّ هَاهُنَا رَجُلًا مَجْنُونًا يَقُولُ : إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ . فَقَالَ : عَلَيَّ بِهِ . فَلَمَّا وَقَفَا بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَا وَقَالَ لَهُمَا مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ ) أَيْ : بِدَلَالَةٍ وَمُعْجِزَةٍ مِنْ رَبِّكَ ، ( وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ) أَيْ : وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ إِنِ اتَّبَعْتَ الْهُدَى .
وَلِهَذَا لَمَّا كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ كِتَابًا ، كَانَ أَوَّلُهُ : ۝ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى . أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدَعَايَةِ الْإِسْلَامِ فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ " .
وَكَذَلِكَ لَمَّا كَتَبَ مُسَيْلِمَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابًا ، صُورَتُهُ : " مِنْ مُسَيْلِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ، سَلَامٌ عَلَيْكَ . أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنِّي قَدْ أُشْرِكْتُ فِي الْأَمْرِ مَعَكَ ، فَلَكَ الْمَدَرُ وَلِي الْوَبَرُ ، وَلَكِنْ قُرَيْشٌ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ " . فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ، أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " .
وَلِهَذَا قَالَ مُوسَى وَهَارُونُ ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ، لِفِرْعَوْنَ : ( وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ) أَيْ : قَدْ أَخْبَرَنَا اللَّهُ فِيمَا أَوْحَاهُ إِلَيْنَا مِنَ الْوَحْيِ الْمَعْصُومِ أَنَّ الْعَذَابَ مُتَمَحِّضٌ لِمَنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَتَوَلَّى عَنْ طَاعَتِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ) [ النَّازِعَاتِ : 37 - 39 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ) [ اللَّيْلِ : 14 - 16 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ) [ الْقِيَامَةِ : 31 ، 32 ] . أَيْ : كَذَّبَ بِقَلْبِهِ وَتَوَلَّى بِفِعْلِهِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث