الفروع
الفروع · الجزء السادس
الصفحة 4940 · ص. المطبوع 150 · الشرح
وَسَبَقَ أَنَّ الْعَفْوَ عَنْ الْقَوَدِ وَغَيْرِهِ أَفْضَلُ بِلَا تَفْصِيلٍ ، وَهُوَ عَمَلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي الْمِحْنَةِ وَغَيْرِهَا ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْهُ : ابْنُ أَبِي دَاوُد وَأَمْثَالُهُ لَا أُحْلِلْهُمْ ، وَنَقَلَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ لَوْلَا أَنَّ ابْنَ أَبِي دَاوُد دَاعِيَةٌ لَأَحْلَلْته ، وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ أَنَّهُ أَحَلَّ ابْنَ أَبِي دَاوُد وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ إِسْحَاقَ فِيمَا بَعْدُ ، وَيَلْزَمُ مِنْ نَصِّهِ هُنَا أَنْ لَا يَعْفُوَ عَنْ ظَالِمٍ ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْصُرْهُ فِي تَرْكِ الْحَرَامِ لِمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ الظُّلْمِ فِي شَيْءٍ آخَرَ فَهُنَا أَوْلَى ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ { وَاَلَّذِينَ إذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ } أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ تَعَدَّى وَأَصَرَّ ، وَآيَاتُ الْعَفْوِ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّ الْجَانِيَ نَادِمٌ ، وَظَهَرَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ نَصِّهِ عَلَى الْعَفْوِ عَنْهُ نَصْرُهُ عَلَى ظَالِمِهِ ، فَالْمَسْأَلَتَانِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ بَهْجَةِ الْمَجَالِسِ : قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ سِيرِينَ : إنِّي وَقَعْت فِيك فَاجْعَلْنِي فِي حِلٍّ ، قَالَ : لَا أُحِبُّ أَنْ أَحِلَّ لَك مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْك .
وَقَالَ شَيْخُنَا إنَّ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فَائِدَةً عَظِيمَةً ، وَهُوَ 150 أَنَّهُ حَمِدَهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ يَنْتَصِرُونَ عِنْدَ الْبَغْيِ عَلَيْهِمْ ، كَمَا أَنَّهُمْ هُمْ يَعْفُونَ عِنْدَ الْغَضَبِ ، لَيْسُوا مِثْلَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ قُوَّةُ الِانْتِصَارِ وَفِعْلُهُ لِعَجْزِهِمْ أَوْ كَسَلِهِمْ أَوْ وَهَنِهِمْ أَوْ ذُلِّهِمْ أَوْ حُزْنِهِمْ ، فَإِنَّ أَكْثَرَ مَنْ يَتْرُكُ الِانْتِصَارَ بِالْحَقِّ إنَّمَا يَتْرُكُهُ لِهَذِهِ الْأُمُورِ وَأَشْبَاهِهَا ، وَلَيْسُوا مِثْلَ الَّذِي إذَا غَضِبَ لَا يَغْفِرُ وَلَا يَعْفُو ، بَلْ يَتَعَدَّى أَوْ يَنْتَقِمُ حَتَّى يُكَفَّ مِنْ خَارِجٍ ، كَمَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ النَّاسِ إذَا غَضِبُوا وَقَدَرُوا لَا يَقِفُونَ عِنْدَ الْعَدْلِ فَضْلًا عَنْ الْإِحْسَانِ ، فَحَمِدَهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ هُمْ يَنْتَصِرُونَ وَهُمْ يَغْفِرُونَ ، وَلِهَذَا قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَسْتَذِلُّوا ، فَإِذَا قَدَرُوا عَفَوْا ، إلَى أَنْ ذَكَرَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي دَفْعِ الْإِنْسَانِ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ قَالَ : وَيُشْبِهُ أَنْ لَا يَجِبَ مَفْسَدَةٌ تُقَاوِمُ مَفْسَدَةَ التَّرْكِ أَوْ تُفْضِي إلَى فَسَادٍ أَكْثَرَ ، وَعَلَى هَذَا تَخْرُجُ قِصَّةُ ابْنِ آدَمَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي دَفْعِهِ إلَّا إتْلَافُ مَالِ الْغَيْرِ الظَّالِمِ أَوْ حَبْسُهُ أَوْ ضَرْبُهُ ، فَهُنَا الْوُجُوبُ أَوْجَهُ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ { هُمْ يَنْتَصِرُونَ } ، فَالِانْتِصَارُ قَدْ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا تَارَةً ، وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا أُخْرَى ، كَالْمَغْفِرَةِ سَوَاءٌ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث