رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الأول
الصفحة 703 · ص. المطبوع 533 · الشرح
فَصْلٌ فِي الْقِرَاءَةِ
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ صِفَةِ الصَّلَاةِ وَكَيْفِيَّتِهَا وَفَرَائِضِهَا وَوَاجِبَاتِهَا وَسُنَنِهَا ذَكَرَ أَحْكَامَ الْقِرَاءَةِ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ لِزِيَادَةِ أَحْكَامٍ تَعَلَّقَتْ بِهَا دُونَ سَائِرِ الْأَرْكَانِ ( قَوْلُهُ وَيَجْهَرُ الْإِمَامُ وُجُوبًا ) أَيْ جَهْرًا وَاجِبًا عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ ، وَقَوْلُهُ بِحَسَبِ الْجَمَاعَةِ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِلْجَهْرِ . وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ اتِّصَافِ الْجَهْرِ بِهَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ أَنْ يَتَّصِفَ كَوْنُهُ بِحَسَبِ الْجَمَاعَةِ بِالْوُجُوبِ أَيْضًا ، نَعَمْ لَوْ جُعِلَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ وُجُوبًا الْمُؤَوَّلِ بِاسْمِ الْفَاعِلِ يَلْزَمُ ذَلِكَ ، وَلَا دَاعِيَ إلَى حَمْلِ الْكَلَامِ عَلَى مَا يُفْسِدُ الْمَعْنَى مَعَ تَبَادُرِ غَيْرِهِ فَافْهَمْ . ( قَوْلُهُ فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ أَسَاءَ ) وَفِي الزَّاهِدِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ : لَوْ زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ فَهُوَ أَفْضَلُ ، إلَّا إذَا أَجْهَدَ نَفْسَهُ أَوْ آذَى غَيْرَهُ قُهُسْتَانِيٌّ ( قَوْلُهُ أَعَادَهَا جَهْرًا ) لِأَنَّ الْجَهْرَ فِيمَا بَقِيَ صَارَ وَاجِبًا بِالِاقْتِدَاءِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ شَنِيعٌ بَحْرٌ . وَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَوْ ائْتَمَّ بَعْدَ قِرَاءَةِ بَعْضِ السُّورَةِ أَنَّهُ يُعِيدُ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ ، فَلْيُرَاجَعْ ح ( قَوْلُهُ لَكِنْ إلَخْ ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ وَلَوْ ائْتَمَّ بِهِ ، وَهَذَا قَوْلٌ آخَرُ . وَقَدْ حَكَى الْقَوْلَيْنِ الْقُهُسْتَانِيُّ حَيْثُ قَالَ : إنَّ الْإِمَامَ لَوْ خَافَتَ بِبَعْضِ الْفَاتِحَةِ أَوْ كُلِّهَا أَوْ الْمُنْفَرِدُ ثُمَّ اقْتَدَى بِهِ رَجُلٌ أَعَادَهَا جَهْرًا كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ ، وَقِيلَ لَمْ يُعِدْ وَجَهَرَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ بَعْضِ الْفَاتِحَةِ أَوْ السُّورَةِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا كَمَا فِي الْمُنْيَةِ ا هـ وَعَزَا فِي الْقُنْيَةِ الْقَوْلَ الثَّانِيَ إلَى الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ وَفَتَاوَى السَّعْدِيِّ ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ فِيهِ التَّحَرُّزَ عَنْ تَكْرَارِ الْفَاتِحَةِ فِي رَكْعَةٍ وَتَأْخِيرِ الْوَاجِبِ عَنْ مَحَلِّهِ ، وَهُوَ مُوجِبٌ لِسُجُودِ السَّهْوِ فَكَانَ مَكْرُوهًا ، وَهُوَ أَسْهَلُ مِنْ لُزُومِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ فِي رَكْعَةٍ . عَلَى أَنَّ كَوْنَ ذَلِكَ الْجَمْعِ شَنِيعًا غَيْرُ مُطَّرِدٍ لِمَا ذَكَرَهُ فِي آخِرِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ سَهَا فَخَافَتَ فِي الْجَهْرِيَّةِ ثُمَّ تَذَكَّرَ يَجْهَرُ بِالسُّورَةِ وَلَا يُعِيدُ ، وَلَوْ خَافَتَ بِآيَةٍ أَوْ أَكْثَرَ يُتِمُّهَا جَهْرًا وَلَا يُعِيدُ . وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ : وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ إذَا جَهَرَ بِأَكْثَرِ الْفَاتِحَةِ يُتِمُّهَا مُخَافَتَةً كَمَا فِي الزَّاهِدِيِّ ا هـ أَيْ فِي الصَّلَاةِ السَّرِيَّةِ ، وَكَوْنُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ نَقَلَهُ فِي الْخُلَاصَةِ عَنْ الْأَصْلِ كَمَا فِي الْبَحْرِ ، وَالْأَصْلُ مِنْ كُتُبِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ كَوْنُ الثَّانِي لَمْ يُذْكَرْ فِي كِتَابٍ آخَرَ مِنْ كُتُبِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ، فَدَعْوَى أَنَّهُ ضَعِيفٌ رِوَايَةً وَدِرَايَةً غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ إنْ قَصَدَ الْإِمَامَةَ إلَخْ ) عَزَاهُ فِي الْقُنْيَةِ إلَى فَتَاوَى الْكَرْمَانِيِّ . وَوَجْهُهُ أَنَّ الْإِمَامَ مُنْفَرِدٌ 533
فِي حَقِّ نَفْسِهِ ، وَلِذَا لَا يَحْنَثُ فِي لَا يَؤُمُّ أَحَدًا مَا لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ ، وَلَا يَحْصُلُ ثَوَابُ الْجَمَاعَةِ إلَّا بِالنِّيَّةِ ، وَلَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ بِمُحَاذَاةِ الْمَرْأَةِ إلَّا بِالنِّيَّةِ كَمَا مَرَّ فِي بَحْثِ النِّيَّةِ ، وَسَيَذْكُرُ فِي بَابِ الْوِتْرِ عِنْدَ ذِكْرِ كَرَاهَةِ الْجَمَاعَةِ فِي التَّطَوُّعِ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاعِي أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ عَلَى الْإِمَامِ لَوْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ تَلْزَمُهُ أَحْكَامُ الْإِمَامَةِ بِدُونِ الْتِزَامٍ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ وَأُولَى الْعِشَاءَيْنِ ) بِفَتْحِ الْيَاءِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ قُهُسْتَانِيٌّ . وَالْعِشَاءَانِ : الْمَغْرِبُ وَالْعَتَمَةُ ( قَوْلُهُ أَيْ فِي رَمَضَانَ فَقَطْ ) مَأْخُوذٌ مِنْ الْمُصَنِّفِ فِي الْمِنَحِ ، حَيْثُ قَالَ : وَقَيَّدْنَا الْوِتْرَ بِكَوْنِهِ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجْهَرُ فِي الْوِتْرِ إذَا كَانَ فِي رَمَضَانَ لَا فِي غَيْرِهِ كَمَا أَفَادَهُ ابْنُ نُجَيْمٍ فِي بَحْرِهِ ، وَهُوَ وَارِدٌ عَلَى إطْلَاقِ الزَّيْلَعِيِّ الْجَهْرَ فِي الْوِتْرِ إذَا كَانَ إمَامًا ا هـ فَدَلَّ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ فِي مَتْنِهِ بِقَوْلِهِ بَعْدَهَا كَوْنُهُ فِي رَمَضَانَ هُوَ الْمَسْنُونُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ أَوْ لَا ، وَبِهِ سَقَطَ مَا يَأْتِي عَنْ مَجْمَعِ الْأَنْهُرِ ، لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ صَلَّى الْوِتْرَ جَمَاعَةً فِي غَيْرِ رَمَضَانَ لَا يَجْهَرُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاعِي ، وَيَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ ، وَإِطْلَاقُ الزَّيْلَعِيِّ يُخَالِفُهُ ، وَكَذَا مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْمُتَنَفِّلَ بِاللَّيْلِ لَوْ أَمَّ جَهَرَ فَتَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ قُلْت إلَخْ ) عَلِمْت أَنَّهُ غَيْرُ وَارِدٍ ( قَوْلُهُ نَعَمْ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ ) فِيهِ أَنَّ الْقُهُسْتَانِيَّ صَرَّحَ بَعْدَهُ بِتَصْحِيحِ خِلَافِهِ ( قَوْلُهُ وَيُسِرُّ فِي غَيْرِهَا ) وَهُوَ الثَّالِثَةُ مِنْ الْمَغْرِبِ وَالْأُخْرَيَانِ مِنْ الْعِشَاءِ ، وَكَذَا جَمِيعُ رَكَعَاتِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَإِنْ كَانَ بِعَرَفَةَ خِلَافًا لِمَالِكٍ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ ( قَوْلُهُ وَهُوَ أَفْضَلُ ) لِيَكُونَ الْأَدَاءُ عَلَى هَيْئَةِ الْجَمَاعَةِ ، وَلِهَذَا كَانَ أَدَاؤُهُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ أَفْضَلُ . وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ " { ۝ أَنَّ مَنْ صَلَّى عَلَى هَيْئَةِ الْجَمَاعَةِ صَلَّتْ بِصَلَاتِهِ صُفُوفٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ } " مِنَحٌ ( قَوْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ ) كَذَا فِي الْبَحْرِ رَادًّا عَلَى مَا فِي الْعِنَايَةِ مِنْ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ .
أَقُولُ : مَا فِي الْعِنَايَةِ صَرَّحَ بِهِ أَيْضًا فِي النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ . وَنَقَلَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّهُ لَا سَهْوَ عَلَيْهِ إذَا جَهَرَ فِيمَا يُخَافِتُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ وَاجِبًا ، وَعَلَّلَهُ فِي الْهِدَايَةِ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ بِأَنَّ الْجَهْرَ وَالْمُخَافَتَةَ مِنْ خَصَائِصِ الْجَمَاعَةِ . وَقَالَ الشُّرَّاحُ : إنَّهُ جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ . وَأَمَّا جَوَابُ رِوَايَةِ النَّوَادِرِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ السَّهْوُ . وَفِي الذَّخِيرَةِ : إذَا جَهَرَ فِيمَا يُخَافِتُ عَلَيْهِ السَّهْوُ . وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ ، نَعَمْ صَحَّحَ فِي الدُّرَرِ تَبَعًا لِلْفَتْحِ وَالتَّبْيِينِ وُجُوبَ الْمُخَافَتَةِ ، وَمَشَى عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَالْمِنَحِ . وَقَالَ فِي الْفَتْحِ : فَحَيْثُ كَانَتْ الْمُخَافَتَةُ وَاجِبَةً عَلَى الْمُنْفَرِدِ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ بِتَرْكِهَا السُّجُودُ ا هـ فَتَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ فَلَوْ أَمَّ ) أَيْ فَلَوْ صَلَّى الْمُتَنَفِّلُ بِاللَّيْلِ إمَامًا جَهَرَ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْوِتْرَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تُكْرَهُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاعِي ، وَبِدُونِهِ لَا . وَإِذَا وَجَبَ الْجَهْرُ فِي النَّفْلِ يَجِبُ فِي الْوِتْرِ كَمَا أَفْهَمَتْهُ عِبَارَةُ الزَّيْلَعِيِّ أَفَادَهُ الرَّحْمَتِيُّ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث