فتح القدير
فتح القدير · الجزء الخامس
الصفحة 3071 · ص. المطبوع 331 · الشرح
( وَمَنْ قَالَ بِغَيْرِهِ زَنَأْتِ فِي الْجَبَلِ وَقَالَ عَنَيْتُ صَعِدْتَ الْجَبَلَ ) وَالْحَالَةُ حَالَةُ الْغَضَبِ وَسَيَظْهَرُ أَنَّ هَذَا الْقَيْدَ مُرَادٌ لَا يُصَدَّقُ ( وَيُحَدُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا يُحَدُّ لِأَنَّ الْمَهْمُوزَ مِنْهُ لِلصُّعُودِ حَقِيقَةٌ ، قَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْعَرَبِ ﴿﴾ وَارْقَ إلَى الْخَيْرَاتِ زَنَأَ فِي الْجَبَلِ ﴿﴾ ) وَالزِّنَا وَإِنْ كَانَ يُهْمَزُ فَيُقَالُ زَنَأَ عَلَى مَا سَلَفَ لَكِنَّ ذِكْرَ الْجَبَلِ يُقَرِّرُ الصُّعُودَ مُرَادًا .
وَقَوْلُهُ قَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْعَرَبِ هُوَ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ قَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْعَرَبِ تُرْقِصُ ابْنًا لَهَا ﴿﴾ أَشْبِهْ أَبَا أُمِّك أَوْ أَشْبِهْ عَمَلِ ﴿﴾ تُرِيدُ عَمَلِي ﴿﴾ وَلَا تَكُونَنَّ كَهِلَّوْفٍ وَكِلِ ﴿﴾ ﴿﴾ يُصْبِحُ فِي مَضْجَعِهِ قَدْ انْجَدِلْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَارْقَ إلَى الْخَيْرَاتِ زَنَأَ فِي الْجَبَلِ ﴿﴾ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ شَارِحِ إصْلَاحِ الْمَنْطِقِ فَقَالَ إنَّمَا هِيَ لِرَجُلٍ رَأَى ابْنًا لَهُ تُرْقِصُهُ أُمُّهُ فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِهَا وَقَالَ أَشْبِهْ أَبَا أُمِّك " الْأَبْيَاتَ " . وَهَذَا الرَّجُلُ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ الْمُنْقِرِيُّ : أَيْ كُنْ مِثْلَ أَبِي أُمِّك أَوْ مِثْلَ عَمَلِي فَحُذِفَ الْمُضَافُ إلَيْهِ ، وَالْمُرَادُ كُنْ مِثْلَ أَبِي أُمِّك أَوْ مِثْلِي ، وَكَانَ أَبُو أُمِّهِ شَرِيفًا سَيِّدًا وَهُوَ زَيْدُ الْفَوَارِسِ بْنُ ضِرَارٍ الضَّبِّيُّ ، وَأُمُّهُ مَنْفُوسَةُ بِنْتُ زَيْدِ الْفَوَارِسِ ، قَالَ : فَأَخَذَتْهُ أُمُّهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَجَعَلَتْ تُرْقِصُهُ وَتَقُولُ : ﴿﴾ أَشْبِهْ أَخِي أَوْ أَشْبِهَنَّ أَبَاكَا ﴿﴾ ﴿﴾ أَمَّا أَبِي فَلَنْ تَنَالَ ذَاكَا ﴿﴾ ﴿﴾ تَقْصُرُ عَنْ مِثْلِهِ يَدَاكَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَاَللَّهُ بِالنِّعْمَةِ قَدْ وَالَاكَا ﴿﴾ 331 وَالْهِلَّوْفُ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ مَفْتُوحَةً الثَّقِيلُ ، وَالْوَكِلُ الَّذِي يَتَّكِلُ عَلَى غَيْرِهِ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ قَوْلَهُ أَوْ أَشْبِهْ جَمَلَ بِالْجِيمِ ، وَقَالَ : هُوَ اسْمُ رَجُلٍ هُوَ أَبُو حَيٍّ مِنْ الْعَرَبِ وَهُوَ جَمَلُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالْوَكِلُ الْعِيَالُ عَلَى غَيْرِهِ ( وَلَهُمَا أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْفَاحِشَةِ مَهْمُوزًا أَيْضًا ) عَلَى مَا أَسْلَفْنَا ( لِأَنَّ مِنْ الْعَرَبِ مَنْ يَهْمِزُ الْمُلَيَّنَ ) أَيْ اللَّيِّنَ فِي غَيْرِ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ كَقَوْلِ الْعَجَّاجِ ﴿﴾ وَخِنْدَفٌ هَأْمَةُ هَذَا الْعَالِمِ ﴿﴾ وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﴿﴾ صَبْرًا فَقَدْ هَيَّجْت شَوْقَ الْمُشْتَئِقِ ﴿﴾ لِأَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ وَزَالَ الْمَانِعُ مِنْ الْكَسْرِ بِالْهَمْزِ ، وَأَمَّا نَحْوُ قَطَعَ اللَّهُ أَدِّيهِ : أَيْ يَدَيْهِ ، فَالتَّمْثِيلُ بِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِحَرْفِ اللِّينِ أَوْ الْمُلَيَّنِ حَرْفُ الْعِلَّةِ ، لَكِنَّ الِاصْطِلَاحَ عَلَى أَنَّهُ حَرْفُ الْعِلَّةِ بِقَيْدِ السُّكُونِ وَقَدْ يَهْمِزُونَ فِي الِالْتِقَاءِ عَلَى حَدِّهِ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ الْجَادَّةِ يُقَالُ دَأْبَةٌ وَشَأْبَةٌ ، وَقُرِئَ وَلَا الضَّأْلِينَ شَاذًّا وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يُقَالُ بِمَعْنَى الْفَاحِشَةِ وَبِمَعْنَى الصُّعُودِ ، فَحَالَةُ الْغَضَبِ وَالسِّبَابِ تُعَيِّنُ الْفَاحِشَةَ مُرَادًا ، وَهَذَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ إرَادَةُ قَيْدٍ لِلْغَضَبِ فِي جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ فَكَانَ كَمَا لَوْ قَالَ يَا زَانِي أَوْ زَنَأْت فَإِنَّهُ يُحَدُّ اتِّفَاقًا .
وَقَوْلُهُ ( وَذِكْرُ الْجَبَلِ بِعَيْنِ الصُّعُودِ مُرَادًا ) قُلْنَا إنَّمَا يُعَيَّنُ ذَلِكَ إذَا كَانَ مَقْرُونًا بِكَلِمَةِ عَلَى فَيُقَالُ زَنَأْت عَلَى الْجَبَلِ . وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مِمَّا يُمْنَعُ بَلْ يُقَالُ زَنَأْت فِي الْجَبَلِ بِمَعْنَى صَعِدْت ذَكَرَهُ فِي الْجَمْهَرَةِ وَغَيْرِهَا ، وَالْبَيْتُ الْمَذْكُورُ مَعْلُومٌ أَنَّ الْمُرَادَ فِيهِ لَيْسَ إلَّا الصُّعُودُ وَهُوَ بِلَفْظَةِ فِي ، بَلْ الْجَوَابُ مَنَعَ أَنَّ ذِكْرَ الْجَبَلِ يُعَيِّنُ الصُّعُودَ فَإِنَّ الْفَاحِشَةَ قَدْ تَقَعُ فِي الْجَبَلِ : أَيْ فِي بَعْضِ بُطُونِهِ ، وَعَلَى الْجَبَلِ : أَيْ فَوْقَهُ ، كَمَا قَدْ تَقَعُ عَلَى سَطْحِ الدَّارِ وَنَحْوِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ ذِكْرُهُ قَرِينَةً مَانِعَةً مِنْ إرَادَةِ الْفَاحِشَةِ فَبَقِيَ الِاحْتِمَالُ بِحَالِهِ وَتَرَجَّحَ إرَادَةُ الْفَاحِشَةِ بِقَرِينَةِ حَالِ السِّبَابِ وَالْمُخَاصَمَةِ ( وَلَوْ قَالَ زَنَأْت عَلَى الْجَبَلِ ) وَالْبَاقِي بِحَالِهِ : أَيْ فِي حَالِ الْغَضَبِ ( قِيلَ لَا يُحَدُّ لِمَا قُلْنَا ) آنِفًا إنْ ذَكَرَ لَفْظَةَ " عَلَى " تَعَيَّنَ كَوْنُ الْمُرَادِ الصُّعُودَ . ( وَقِيلَ يُحَدُّ ) لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ حَالَةُ الْغَضَبِ وَالسِّبَابِ وَهُوَ الْأَوْجُهُ ، وَقَدْ عُرِفَ مِنْ تَقْيِيدِ جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ بِحَالَةِ الْغَضَبِ أَنَّ فِي حَالَةِ الرِّضَا لَا يَجِبُ الْحَدُّ إذْ لَا يَجِبُ بِالشَّكِّ بَلْ لَا دَاعِيَ ، فَالظَّاهِرُ عَدَمُ إرَادَةِ السَّبِّ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث