المبسوط
المبسوط · الجزء الثلاثون
الصفحة 10381 · ص. المطبوع 147
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى إذَا كَفَلَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَى آخَرَ فَلَيْسَ لِلطَّالِبِ أَنْ يَأْخُذَ الْأَصْلَ بِالْمَالِ مَا لَمْ يَتْوَ عَلَى الْكَفِيلِ وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلًا عَنْ صَاحِبِهِ أَخَذَ بِهِ أَيَّهُمَا شَاءَ وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ أَنَّ الْكَفَالَةَ عِنْدَنَا لَا تُوجِبُ بَرَاءَةَ الْأَصِيلِ وَلِلطَّالِبِ أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهُمَا شَاءَ وَعِنْدَهُ مُطْلَقُ الْكَفَالَةِ بِمَنْزِلَةِ الْحَوَالَةِ فَإِنَّمَا يُطَالِبُ الْكَفِيلَ بِالْمَالِ وَلَا يُطَالِبُ الْأَصِيلَ مَا لَمْ يَتْوَ الْمَالُ عَلَى الْكَفِيلِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلًا عَنْ صَاحِبِهِ فَحِينَئِذٍ يُطَالِبُ أَيَّهُمَا شَاءَ بِالْمَالِ لِمَكَانِ الشَّرْطِ وَبَعْدَ مَا طَالَبَ أَحَدَهُمَا لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْآخَرَ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ شُبْرُمَةَ إذَا اشْتَرَطَ 147 هَذَا الشَّرْطَ ثُمَّ طَالَبَ أَحَدَهُمَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْآخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَيَجْعَلُ اخْتِيَارَهُ مُطَالَبَةَ أَحَدِهِمَا إبْرَاءً لِلْآخَرِ بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ مَعَ صَاحِبِ الْمَغْصُوبِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ يُؤَاخِذَهُمَا جَمِيعًا فَحِينَئِذٍ بَعْدَ مَا طَالَبَ أَحَدَهُمَا لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْآخَرَ ، قَالَ : وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَيْضًا وَقِيلَ هُوَ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إنْ شَرَطَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ ثُمَّ اخْتَارَ أَحَدَهُمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَعُودَ عَلَى الْآخَرِ إلَّا أَنْ يُفْلِسَ هَذَا ، أَوْ يَمُوتَ وَلَا يَتْرُكَ شَيْئًا وَقَدْ بَيَّنَّا وُجُوهَ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ فَإِنَّ مُحَمَّدًا ذَكَرَ هُنَاكَ صَكًّا يَشْتَمِلُ عَلَى هَذِهِ الشَّرَائِطِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ إنَّمَا شَرَطَ هَذِهِ الزِّيَادَاتِ لِلتَّحَرُّزِ مِنْ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ قَالَ :
وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى لَا يُجَوِّزُ الضَّمَانَ بِشَيْءٍ مَجْهُولٍ غَيْرِ مُسَمًّى كَقَوْلِهِ مَا كَانَ لَك عَلَيْهِ مِنْ حَقٍّ فَهُوَ عَلَيَّ أَوْ مَا قَضَى لَك الْقَاضِي عَلَيْهِ فَهُوَ عَلَيَّ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ الْمَالَ بِعَقْدٍ مُعْتَمَدٍ تَمَامُ الرِّضَا فَمَعَ الْجَهَالَةِ الْمُتَفَاحِشَةِ لَا يَصِحُّ الْتِزَامُهُ بِمَنْزِلَةِ الِالْتِزَامِ بِسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ وَبَيَانُ الْجَهَالَةِ الْمُتَفَاحِشَةِ هُنَا أَنَّهُ مَجْهُولُ الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ وَالصِّفَةِ وَلَا جَهَالَةَ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا وَلَكِنَّا نَقُولُ الْجَهَالَةُ هُنَا لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الِالْتِزَامِ وَلَكِنَّهَا جَهَالَةٌ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ وَهَذِهِ الْجَهَالَةُ لَا تُفْضِي إلَى تَمَكُّنِ الْمُنَازَعَةِ فَإِنَّ الطَّالِبَ لَا يُطَالِبُ الْكَفِيلَ إلَّا بِمَا ثَبَتَ لَهُ عَلَى الْأَصِيلِ وَلَا تَتَمَكَّنُ الْمُنَازَعَةُ بَعْدَ مَا ثَبَتَ لَهُ الْحَقُّ عَلَى الْأَصِيلِ بِالْحُجَّةِ أَوْ بَعْدَ مَا قَضَى الْقَاضِي بِهِ عَلَيْهِ ثُمَّ الِالْتِزَامُ بِالْكَفَالَةِ بِمَنْزِلَةِ الِالْتِزَامِ بِالْإِقْرَارِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُقَابَلَةِ عِوَضٍ يَجِبُ لِلْكَفِيلِ عَلَى الطَّالِبِ وَجَهَالَةُ الْمُقِرِّ بِهِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ فَكَذَلِكَ جَهَالَةُ الْمَكْفُولِ بِهِ ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْكَفَالَةِ عَنْ الْمَيِّتِ الْمُفْلِسِ وَبَيَّنَّا أَنَّ قَوْلَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى فِيهِ كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَقَدْ بَيَّنَّاهَا وَقَالَ : عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ كَانَ تَرَكَ الْأَصِيلُ شَيْئًا ضَمِنَ الْكَفِيلُ بِقَدْرِ مَا تَرَكَ لِأَنَّ صِحَّةَ الضَّمَانِ عِنْدَهُ بِاعْتِبَارِ الْوَفَاءِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَجْعَلُ الْمَالَ خَلَفًا عَنْ الذِّمَّةِ فِي بَقَاءِ الْوَاجِبِ بِاعْتِبَارِهِ لِأَنَّ الْمَالَ مَحَلٌّ صَالِحٌ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْهُ وَالْوُجُوبُ غَيْرُ مَطْلُوبٍ لِعَيْنِهِ بَلْ لِلِاسْتِيفَاءِ فَإِنَّ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ فِي ذِمَّةِ الْأَصِيلِ بِقَدْرِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ تَرِكَةً خَلَفًا وَصِحَّةُ الْكَفَالَةِ بِاعْتِبَارِ بَقَاءِ الْمَالِ فِي ذِمَّةِ الْأَصِيلِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَلِهَذَا لَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ إلَّا بِقَدْرِ تَرِكَةِ الْأَصِيلِ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث