المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الثالث
الصفحة 585 · ص. المطبوع 362
580 - مَسْأَلَةٌ : وَيُصَلَّى عَلَى مَا وُجِدَ مِنْ الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ ، وَلَوْ أَنَّهُ ظُفْرٌ أَوْ شَعْرٌ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ ، وَيُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ شَهِيدٍ فَلَا يُغَسَّلُ ، لَكِنْ يُلَفُّ وَيُدْفَنُ ؟ وَيُصَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا لَا يُوجَدُ مِنْهُ شَيْءٌ .
فَإِنْ وُجِدَ مِنْ الْمَيِّتِ عُضْوٌ آخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْضًا غُسِّلَ أَيْضًا ، وَكُفِّنَ ، وَدُفِنَ ، وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ ثَانِيَةً ، وَهَكَذَا أَبَدًا ؟ 362 بُرْهَانُ ذَلِكَ - : أَنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ وُجُوبَ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ وَدَفْنِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، فَصَحَّ بِذَلِكَ غُسْلُ جَمِيعِ أَعْضَائِهِ - قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا - وَسَتْرُ جَمِيعِهَا بِالْكَفَنِ وَالدَّفْنِ ، فَذَلِكَ بِلَا شَكٍّ وَاجِبٌ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ .
فَإِذْ هُوَ كَذَلِكَ فَوَاجِبٌ عَمَلُهُ فِيمَا أَمْكَنَ عَمَلُهُ فِيهِ ، بِالْوُجُودِ مَتَى وُجِدَ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ ذَلِكَ فِي الْأَعْضَاءِ الْمُفَرَّقَةِ بِلَا بُرْهَانٍ
وَيَنْوِي بِالصَّلَاةِ عَلَى مَا وُجِدَ مِنْهُ الصَّلَاةُ عَلَى جَمِيعِهِ : جَسَدِهِ ، وَرُوحِهِ ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : إنْ وُجِدَ نِصْفُ الْمَيِّتِ الَّذِي فِيهِ الرَّأْسُ ، أَوْ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ الرَّأْسُ - : غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ ؟ وَإِنْ وُجِدَ النِّصْفُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ الرَّأْسُ ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ الَّذِي فِيهِ الرَّأْسُ - : لَمْ يُغَسَّلْ ، وَلَا كُفِّنَ ، وَلَا صُلِّيَ عَلَيْهِ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا تَخْلِيطٌ نَاهِيَك بِهِ
وَقِيلَ لَهُمْ : مِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى أَكْثَرِهِ وَاجِبَةٌ ، وَعَلَى نِصْفِهِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ ؟ وَأَنْتُمْ قَدْ جَعَلْتُمْ الرُّبْعَ - فِيمَا أَنْكَشَفَ مِنْ بَطْنِ الْحُرَّةِ وَشَعْرِهَا - كَثِيرًا فِي حُكْمِ الْكُلِّ ، وَجَعَلْتُمْ الْعُشْرَ - فِي بَعْضِ مَسَائِلِكُمْ أَيْضًا - فِي حُكْمِ الْكُلِّ ؟ وَهُوَ مِنْ حَلْقِ عُشْرِ رَأْسِهِ ، أَوْ عُشْرِ لِحْيَتِهِ مِنْ الْمُحْرِمِينَ فِي قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، فَمِنْ أَيْنَ هَذِهِ الْأَحْكَامُ فِي الدِّينِ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا ؟
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّهُمَا صَلَّيَا عَلَى رِجْلِ ، إنْسَانٍ ؟ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَأَصْحَابِنَا .
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ صَلَّى عَلَى عِظَامٍ وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ : أَنَّهُ صَلَّى عَلَى رَأْسٍ وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الْغَائِبِ فَقَدْ جَاءَ بِهِ نَصٌّ قَاطِعٌ ، أَغْنَى عَنْ النَّظَرِ ، وَإِنْ كَانَ النَّظَرُ 363 تَجِبُ بِهِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ } عُمُومٌ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَائِبُ وَالْحَاضِرُ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ بِهِ أَحَدُهُمَا ، بَلْ فَرْضٌ فِي كُلِّ مُسْلِمٍ دُفِنَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ مَنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، لِأَنَّهَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَهِيَ فِيمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ نَدْبٌ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ؟ خَرَجَ إلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا } .
وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ : ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ثنا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ " قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ قَدْ تُوُفِّيَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنْ الْحَبَشِ ، فَهَلُمَّ فَصَلُّوا عَلَيْهِ ، فَصَفَفْنَا ، فَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ } .
وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ : ثنا مُسَدَّدٌ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ . قَالَ جَابِرٌ : فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ } .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ قَوِيَّةٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَهَذَا أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَمَلُهُ وَعَمَلُ جَمِيعِ أَصْحَابِهِ ، فَلَا إجْمَاعَ أَصَحُّ مِنْ هَذَا ، وَآثَارٌ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَمَا أَوْرَدْنَا ؟
وَمَنَعَ مِنْ هَذَا : مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَادَّعَى أَصْحَابُهُمَا الْخُصُوصَ لِلنَّجَاشِيِّ ، وَهَذِهِ دَعْوَى كَاذِبَةٌ بِلَا بُرْهَانٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
فَإِنْ قَالُوا : هَلْ فَعَلَ هَذَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قُلْنَا لَهُمْ : وَهَلْ جَاءَ قَطُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ زَجَرَ عَنْ هَذَا أَوْ أَنْكَرَهُ ؟ ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ : لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ غَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ تَعَالَى : { لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ }
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث