المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء العاشر
2008 - مَسْأَلَةٌ : وَمَنْ اسْتَلْحَقَ وَلَدَ خَادِمٍ لَهُ بَاعَهَا وَلَمْ يَكُنْ عَرَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ وَطِئَهَا ، أَوْ بِإِقْرَارٍ مِنْهُ قَبْلَ بَيْعِهِ لَهَا بِوَطْئِهِ إيَّاهَا - لَمْ يُصَدَّقْ وَلَمْ يُلْحَقْ بِهِ سَوَاءٌ بَاعَهَا حَامِلًا ، أَوْ حَدَثَ الْحَمْلُ بِهَا بَعْدَ بَيْعِهِ لَهَا ، أَوْ بَاعَهَا دُونَ وَلَدِهَا ، أَوْ بَاعَ وَلَدَهَا 139
دُونَهَا - كُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ ، فَلَوْ صَحَّ بِبَيِّنَةِ عَدْلٍ أَنَّهُ وَطِئَهَا قَبْلَ بَيْعِهِ لَهَا ، أَوْ بِأَنَّهُ أَقَرَّ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهَا بِوَطْئِهِ لَهَا ، فَإِنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ كَانَ مَبْدَؤُهُ قَبْلَ بَيْعِهِ لَهَا - بِلَا شَكٍّ - فُسِخَ الْبَيْعُ بِكُلِّ حَالٍ ، وَرُدَّتْ إلَيْهِ أُمُّ الْوَلَدِ ، وَلَحِقَ بِهِ وَلَدُهَا - أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ - أَقَرَّ بِهِ أَوْ لَمْ يُقِرَّ .
وَكُلُّ أَمَةٍ لِإِنْسَانٍ صَحَّ أَنَّهُ وَطِئَهَا بِبَيِّنَةٍ ، أَوْ بِإِقْرَارٍ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ مَا وَلَدَتْ - أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ - وَلَا يَنْتَفِعُ بِأَنْ يَدَّعِيَ اسْتِبْرَاءً ، أَوْ بِدَعْوَاهُ الْعَزْلَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
بُرْهَانُ ذَلِكَ - : قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلَّا عَلَيْهَا } وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ } وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الْأَمَةَ قَدْ صَحَّ مِلْكُهَا ، أَوْ مِلْكُ وَلَدِهَا ، أَوْ مِلْكُهُمَا لِلْمُشْتَرِي فَقَدْ مَنَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ قَبُولِ دَعْوَى الْبَائِعِ فِي إبْطَالِ مِلْكِ الْمُشْتَرِي بِالْمِلْكِ ; لِأَنَّهُ كَاسِبٌ عَلَى غَيْرِهِ ، وَمُدَّعٍ فِي مَالِ سِوَاهُ بِلَا بَيِّنَةٍ .
وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ بَاعَهَا حَامِلًا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ وَلَدَهَا مِنْهُ فُسِخَ الْبَيْعُ - قَالَ : فَلَوْ ادَّعَاهُ وَقَدْ أُعْتِقَتْ لَمْ يُفْسَخْ الْعِتْقُ وَلَا ابْتِيَاعُ الْمُعْتِقِ لَهَا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذِهِ مُنَاقَضَةٌ لَا خَفَاءَ بِهَا ; لِأَنَّهُ إذَا صُدِّقَ فِي دَعْوَاهُ فَفُسِخَ بِهَا مِلْكُ مُسْلِمٍ وَصَفْقَتُهُ فَوَاجِبٌ أَنْ يُصَدَّقَ وَيُفْسَخَ بِهَا عِتْقُ الْأَمَةِ وَلَا فَرْقَ ، وَلَئِنْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَدَّقَ فِي فَسْخِ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَدَّقَ فِي فَسْخِ صَفْقَةِ مُسْلِمٍ وَإِبْطَالِ مِلْكِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ .
فَإِنْ قَالُوا : الْبَيْعُ يُفْسَخُ بِالْعَيْبِ ؟ قُلْنَا : وَالْعِتْقُ يُفْسَخُ بِالِاسْتِحْقَاقِ ، وَأَمَّا إذَا صَحَّ وَطْؤُهُ لَهَا إذَا كَانَتْ فِي مِلْكِهِ أَوْ صَحَّ حِينَئِذٍ إقْرَارُهُ بِوَطْئِهَا .
فَبُرْهَانُ قَوْلِنَا فِي لِحَاقِ الْوَلَدِ بِهِ ، وَفَسْخِ الْعِتْقِ وَالْبَيْعِ وَالْإِيلَادِ فِيهِمَا - :
مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيِّ أَنَا مُسَدَّدٌ أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ : اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ فَقَالَ ابْنُ زَمْعَةَ : أَخِي ابْنُ أَمَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ هُوَ أَخُوكَ يَا عَبْدُ } .
140 أَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ أَنَا أَبِي قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ ثنا جَدِّي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ أَنَا أَحْمَدُ ابْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ أَنَا أَبِي أَنَا جَرِيرٌ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْوَلَدُ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ } .
نا حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ أَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ التَّمَرَنْتِيُّ أَنَا مُسَدَّدٌ أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْوَلَدُ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَلَدِ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي أَمَةٍ لَمْ يَحْفَظْ إقْرَارَ سَيِّدِهَا بِذَلِكَ الْوَلَدِ ، وَلَوْ أَقَرَّ بِهِ لَمْ يَحْتَجَّ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ لِسِوَى ذَلِكَ .
وَحَكَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَنَّ الْأَمَةَ فِرَاشٌ وَأَنَّ الْوَلَدَ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْأَمَةُ فِرَاشًا إذَا صَحَّ أَنَّ سَيِّدَهَا افْتَرَشَهَا بِبَيِّنَةٍ بِذَلِكَ ، أَوْ بِبَيِّنَةٍ بِإِقْرَارِهِ بِذَلِكَ .
وَلَيْسَ أَمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سَوْدَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ بِكَادِحٍ فِي ذَلِكَ أَصْلًا وَلَا احْتِجَابُ الْأُخْتِ عَنْ أَخِيهَا بِمُبْطِلٍ أُخُوَّتَهُ لَهَا أَلْبَتَّةَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فَرْضًا عَلَى الْمَرْأَةِ رُؤْيَةُ أَخِيهَا لَهَا ، إنَّمَا الْفَرْضُ عَلَيْهَا صِلَةُ رَحِمِهِ فَقَطْ ، وَلَمْ يَأْمُرْهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَطُّ بِأَنْ لَا تَصِلَهُ - وَمَنْ ادَّعَى ذَلِكَ فَقَدْ كَذَبَ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { هُوَ أَخُوكَ يَا عَبْدُ } وَهَذَا يَكْفِي مَنْ لَهُ عَقْلٌ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَنْ لَا يُبَالِي بِمَا أَطْلَقَ بِهِ لِسَانَهُ مِنْ الْكَذِبِ فِي الدِّينِ : إنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ } أَيْ هُوَ عَبْدُك ؟
فَقُلْنَا : الثَّابِتُ أَنَّهُ قَالَ { هُوَ أَخُوكَ } كَمَا أَوْرَدْنَا ، وَلَوْ قَضَى بِهِ عَبْدًا لَمْ يَلْزَمْهَا أَنْ تَحْتَجِبَ عَنْهُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ ، فَاعْجَبُوا لِهَوْلِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فَوَجَبَ مَا قُلْنَا نَصًّا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
وَإِذَا صَحَّ أَنَّ الْحَمْلَ مِنْهُ فَوَاجِبٌ فَسْخُ بَيْعِ الْحُرِّ ، وَبَيْعُ أُمِّ الْوَلَدِ ، وَفَسْخُ عِتْقِ مَنْ أَعْتَقَهُمَا ، وَفَسْخُ إيلَادِ مَنْ أَوْلَدَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - .
وَبِهَذَا جَاءَ الْأَثَرُ عَنْ السَّلَفِ - : 141
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِنْكُمْ يَعْزِلُونَ ، فَإِذَا حَمَلَتْ الْجَارِيَةُ قَالَ : لَيْسَ مِنِّي ، وَاَللَّهِ لَا أُوتَى بِرَجُلٍ مِنْكُمْ فَعَلَ ذَلِكَ إلَّا أَلْحَقْت بِهِ الْوَلَدَ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَعْزِلْ وَمَنْ شَاءَ لَا يَعْزِلُ .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَطَأُ جَارِيَتَهُ فَلْيُحْصِنْهَا فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يُقِرُّ بِإِصَابَتِهِ جَارِيَتَهُ إلَّا أَلْحَقْت بِهِ الْوَلَدَ .
وَمَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا لِصَاحِبٍ إلَّا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِي أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ أَبَاهُ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ يَعْزِلُ عَنْهَا وَأَنَّهَا جَاءَتْهُ بِحَمْلٍ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ ابْنِ ذَكْوَانَ - هُوَ أَبُو الزِّنَادِ - عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : كَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَقَعُ عَلَى جَارِيَةٍ لَهُ ، وَكَانَ يَعْزِلُهَا فَلَمَّا وَلَدَتْ انْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا وَضَرَبَهَا مِائَةً ثُمَّ أَعْتَقَ الْغُلَامَ .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ ، وَأَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةٍ لَهُ - وَكَانَ يَعْزِلُهَا - فَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَلْحَقُ وَلَدُ الْأَمَةِ بِسَيِّدِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ لَمْ تَكُنْ إلَّا بِأَنْ يَدَّعِيَهُ وَإِلَّا فَهُوَ مُنْتَفٍ عَنْهُ .
وَقَالَ مَالِكٌ : يَلْحَقُ بِهِ لِوَطْئِهِ إيَّاهَا إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهَا اسْتَبْرَأَتْ ثُمَّ لَمْ يَطَأْهَا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : كُلُّ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِمَا .
وَالْعَجَبُ كُلُّهُ أَنَّ هَذَيْنِ قَوْلَانِ بِلَا دَلِيلٍ أَصْلًا مِنْ قُرْآنٍ ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ ، وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ ، وَلَا مِنْ رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ .
وَالْعَجَبُ كُلُّهُ أَنَّ مَالِكًا لَا يَرَى الِاسْتِبْرَاءَ يَمْنَعُ مِنْ الْحَمْلِ ، ثُمَّ يَرَاهُ هَاهُنَا يَنْفِي النَّسَبَ بِهِ - وَهَذَا أَعْجَبُ مِنْ الْعَجَبِ ؟ .
دُونَهَا - كُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ ، فَلَوْ صَحَّ بِبَيِّنَةِ عَدْلٍ أَنَّهُ وَطِئَهَا قَبْلَ بَيْعِهِ لَهَا ، أَوْ بِأَنَّهُ أَقَرَّ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهَا بِوَطْئِهِ لَهَا ، فَإِنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ كَانَ مَبْدَؤُهُ قَبْلَ بَيْعِهِ لَهَا - بِلَا شَكٍّ - فُسِخَ الْبَيْعُ بِكُلِّ حَالٍ ، وَرُدَّتْ إلَيْهِ أُمُّ الْوَلَدِ ، وَلَحِقَ بِهِ وَلَدُهَا - أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ - أَقَرَّ بِهِ أَوْ لَمْ يُقِرَّ .
وَكُلُّ أَمَةٍ لِإِنْسَانٍ صَحَّ أَنَّهُ وَطِئَهَا بِبَيِّنَةٍ ، أَوْ بِإِقْرَارٍ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ مَا وَلَدَتْ - أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ - وَلَا يَنْتَفِعُ بِأَنْ يَدَّعِيَ اسْتِبْرَاءً ، أَوْ بِدَعْوَاهُ الْعَزْلَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
بُرْهَانُ ذَلِكَ - : قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلَّا عَلَيْهَا } وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ } وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الْأَمَةَ قَدْ صَحَّ مِلْكُهَا ، أَوْ مِلْكُ وَلَدِهَا ، أَوْ مِلْكُهُمَا لِلْمُشْتَرِي فَقَدْ مَنَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ قَبُولِ دَعْوَى الْبَائِعِ فِي إبْطَالِ مِلْكِ الْمُشْتَرِي بِالْمِلْكِ ; لِأَنَّهُ كَاسِبٌ عَلَى غَيْرِهِ ، وَمُدَّعٍ فِي مَالِ سِوَاهُ بِلَا بَيِّنَةٍ .
وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ بَاعَهَا حَامِلًا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ وَلَدَهَا مِنْهُ فُسِخَ الْبَيْعُ - قَالَ : فَلَوْ ادَّعَاهُ وَقَدْ أُعْتِقَتْ لَمْ يُفْسَخْ الْعِتْقُ وَلَا ابْتِيَاعُ الْمُعْتِقِ لَهَا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذِهِ مُنَاقَضَةٌ لَا خَفَاءَ بِهَا ; لِأَنَّهُ إذَا صُدِّقَ فِي دَعْوَاهُ فَفُسِخَ بِهَا مِلْكُ مُسْلِمٍ وَصَفْقَتُهُ فَوَاجِبٌ أَنْ يُصَدَّقَ وَيُفْسَخَ بِهَا عِتْقُ الْأَمَةِ وَلَا فَرْقَ ، وَلَئِنْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَدَّقَ فِي فَسْخِ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَدَّقَ فِي فَسْخِ صَفْقَةِ مُسْلِمٍ وَإِبْطَالِ مِلْكِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ .
فَإِنْ قَالُوا : الْبَيْعُ يُفْسَخُ بِالْعَيْبِ ؟ قُلْنَا : وَالْعِتْقُ يُفْسَخُ بِالِاسْتِحْقَاقِ ، وَأَمَّا إذَا صَحَّ وَطْؤُهُ لَهَا إذَا كَانَتْ فِي مِلْكِهِ أَوْ صَحَّ حِينَئِذٍ إقْرَارُهُ بِوَطْئِهَا .
فَبُرْهَانُ قَوْلِنَا فِي لِحَاقِ الْوَلَدِ بِهِ ، وَفَسْخِ الْعِتْقِ وَالْبَيْعِ وَالْإِيلَادِ فِيهِمَا - :
مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيِّ أَنَا مُسَدَّدٌ أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ : اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ فَقَالَ ابْنُ زَمْعَةَ : أَخِي ابْنُ أَمَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ هُوَ أَخُوكَ يَا عَبْدُ } .
140 أَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ أَنَا أَبِي قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ ثنا جَدِّي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ أَنَا أَحْمَدُ ابْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ أَنَا أَبِي أَنَا جَرِيرٌ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْوَلَدُ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ } .
نا حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ أَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ التَّمَرَنْتِيُّ أَنَا مُسَدَّدٌ أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْوَلَدُ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَلَدِ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي أَمَةٍ لَمْ يَحْفَظْ إقْرَارَ سَيِّدِهَا بِذَلِكَ الْوَلَدِ ، وَلَوْ أَقَرَّ بِهِ لَمْ يَحْتَجَّ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ لِسِوَى ذَلِكَ .
وَحَكَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَنَّ الْأَمَةَ فِرَاشٌ وَأَنَّ الْوَلَدَ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْأَمَةُ فِرَاشًا إذَا صَحَّ أَنَّ سَيِّدَهَا افْتَرَشَهَا بِبَيِّنَةٍ بِذَلِكَ ، أَوْ بِبَيِّنَةٍ بِإِقْرَارِهِ بِذَلِكَ .
وَلَيْسَ أَمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سَوْدَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ بِكَادِحٍ فِي ذَلِكَ أَصْلًا وَلَا احْتِجَابُ الْأُخْتِ عَنْ أَخِيهَا بِمُبْطِلٍ أُخُوَّتَهُ لَهَا أَلْبَتَّةَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فَرْضًا عَلَى الْمَرْأَةِ رُؤْيَةُ أَخِيهَا لَهَا ، إنَّمَا الْفَرْضُ عَلَيْهَا صِلَةُ رَحِمِهِ فَقَطْ ، وَلَمْ يَأْمُرْهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَطُّ بِأَنْ لَا تَصِلَهُ - وَمَنْ ادَّعَى ذَلِكَ فَقَدْ كَذَبَ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { هُوَ أَخُوكَ يَا عَبْدُ } وَهَذَا يَكْفِي مَنْ لَهُ عَقْلٌ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَنْ لَا يُبَالِي بِمَا أَطْلَقَ بِهِ لِسَانَهُ مِنْ الْكَذِبِ فِي الدِّينِ : إنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ } أَيْ هُوَ عَبْدُك ؟
فَقُلْنَا : الثَّابِتُ أَنَّهُ قَالَ { هُوَ أَخُوكَ } كَمَا أَوْرَدْنَا ، وَلَوْ قَضَى بِهِ عَبْدًا لَمْ يَلْزَمْهَا أَنْ تَحْتَجِبَ عَنْهُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ ، فَاعْجَبُوا لِهَوْلِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فَوَجَبَ مَا قُلْنَا نَصًّا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
وَإِذَا صَحَّ أَنَّ الْحَمْلَ مِنْهُ فَوَاجِبٌ فَسْخُ بَيْعِ الْحُرِّ ، وَبَيْعُ أُمِّ الْوَلَدِ ، وَفَسْخُ عِتْقِ مَنْ أَعْتَقَهُمَا ، وَفَسْخُ إيلَادِ مَنْ أَوْلَدَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - .
وَبِهَذَا جَاءَ الْأَثَرُ عَنْ السَّلَفِ - : 141
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِنْكُمْ يَعْزِلُونَ ، فَإِذَا حَمَلَتْ الْجَارِيَةُ قَالَ : لَيْسَ مِنِّي ، وَاَللَّهِ لَا أُوتَى بِرَجُلٍ مِنْكُمْ فَعَلَ ذَلِكَ إلَّا أَلْحَقْت بِهِ الْوَلَدَ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَعْزِلْ وَمَنْ شَاءَ لَا يَعْزِلُ .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَطَأُ جَارِيَتَهُ فَلْيُحْصِنْهَا فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يُقِرُّ بِإِصَابَتِهِ جَارِيَتَهُ إلَّا أَلْحَقْت بِهِ الْوَلَدَ .
وَمَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا لِصَاحِبٍ إلَّا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِي أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ أَبَاهُ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ يَعْزِلُ عَنْهَا وَأَنَّهَا جَاءَتْهُ بِحَمْلٍ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ ابْنِ ذَكْوَانَ - هُوَ أَبُو الزِّنَادِ - عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : كَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَقَعُ عَلَى جَارِيَةٍ لَهُ ، وَكَانَ يَعْزِلُهَا فَلَمَّا وَلَدَتْ انْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا وَضَرَبَهَا مِائَةً ثُمَّ أَعْتَقَ الْغُلَامَ .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ ، وَأَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةٍ لَهُ - وَكَانَ يَعْزِلُهَا - فَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَلْحَقُ وَلَدُ الْأَمَةِ بِسَيِّدِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ لَمْ تَكُنْ إلَّا بِأَنْ يَدَّعِيَهُ وَإِلَّا فَهُوَ مُنْتَفٍ عَنْهُ .
وَقَالَ مَالِكٌ : يَلْحَقُ بِهِ لِوَطْئِهِ إيَّاهَا إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهَا اسْتَبْرَأَتْ ثُمَّ لَمْ يَطَأْهَا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : كُلُّ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِمَا .
وَالْعَجَبُ كُلُّهُ أَنَّ هَذَيْنِ قَوْلَانِ بِلَا دَلِيلٍ أَصْلًا مِنْ قُرْآنٍ ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ ، وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ ، وَلَا مِنْ رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ .
وَالْعَجَبُ كُلُّهُ أَنَّ مَالِكًا لَا يَرَى الِاسْتِبْرَاءَ يَمْنَعُ مِنْ الْحَمْلِ ، ثُمَّ يَرَاهُ هَاهُنَا يَنْفِي النَّسَبَ بِهِ - وَهَذَا أَعْجَبُ مِنْ الْعَجَبِ ؟ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث