المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الثامن
الصفحة 1818 · ص. المطبوع 401
1771 - مَسْأَلَةٌ : وَمَنْ أَوْصَى بِعِتْقِ مَمْلُوكٍ لَهُ أَوْ مَمَالِيكَ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلنَّاسِ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الدَّيْنُ مُحِيطًا بِمَالِهِ كُلِّهِ : بَطَلَ كُلُّ مَا أَوْصَى بِهِ مِنْ الْعِتْقِ جُمْلَةً ، وَبِيعُوا فِي الدَّيْنِ .
بُرْهَانُ ذَلِكَ - : قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمَوَارِيثِ : { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } وَحَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَجُوزُ فِي أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ فِيمَا يُخَلِّفُهُ الْمُوصِي ، وَأَنَّ لِلْوَرَثَةِ الثُّلُثَيْنِ ، أَوْ مَا فَضَلَ عَنْ الْوَصِيَّةِ إنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ .
فَصَحَّ ضَرُورَةً : أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ أَدَاءِ الدَّيْنِ وَاجِبًا لِلْغُرَمَاءِ - فَصَحَّ أَنَّ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِجَمِيعِ مَا تَرَكَ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ مَا لَا يُوصِي فِيهِ ، وَأَنَّ مَا تَخَلَّفَهُ انْتَقَلَ إلَى مِلْكِ الْغُرَمَاءِ إثْرَ مَوْتِهِ بِلَا فَصْلٍ ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُوصِيَ فِي مَالِ غَيْرِهِ : فَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ لِذَلِكَ .
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ ، وَأَصْحَابِهِمْ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ لِلْغُرَمَاءِ وَيَعْتِقُ - وَهَذَا بَاطِلٌ لِمَا ذَكَرْنَا . 401 وَمَوَّهُوا فِي الِاحْتِجَاجِ بِخَبَرٍ لَيْسَ فِيهِ لِلْوَصِيَّةِ ذِكْرٌ ، وَإِنَّمَا فِيهِ " { ۝ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عِنْدَ مَوْتِهِ عَبْدًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ } وَهَذَا خَبَرٌ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ أَصْلًا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ : حُكْمُ الْوَصِيَّةِ ، إنَّمَا فِيهِ حُكْمُ مَنْ أَعْتَقَ فِي حَيَاتِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ .
فَإِنْ قَالُوا : الْأَمْرُ سَوَاءٌ فِي كِلَا الْأَمْرَيْنِ ؟ قُلْنَا : هَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ قِيَاسٌ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ الْقِيَاسُ لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ ; لِأَنَّ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَبَيْنَ فِعْلِ الْحَيِّ عِلَّةً تَجْمَعُ بَيْنَهُمَا - عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَكَيْفَ وَهُوَ خَبَرٌ مَكْذُوبٌ لَا يَصِحُّ - : رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ أَنَا حَجَّاجٌ - هُوَ ابْنُ أَرْطَاةَ - عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ بَدْرٍ عَنْ أَبِي يَحْيَى الْمَكِّيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَهَذَا فِيهِ أَرْبَعُ فَضَائِحَ - : إحْدَاهَا يَكْفِي - :
أَوَّلُهَا : أَنَّهُ مُرْسَلٌ ، وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ .
وَثَانِيهَا : أَنَّهُ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ وَهُوَ مُطْرَحٌ .
وَثَالِثُهَا : عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ بَدْرٍ وَهُوَ هَالِكٌ مَتْرُوكٌ .
وَرَابِعُهَا : أَنَّهُ عَنْ أَبِي يَحْيَى الْمَكِّيِّ وَهُوَ مَجْهُولٌ .
وَلَا يَحِلُّ الْأَخْذُ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا هَذِهِ صِفَتُهُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَلَوْ أَوْصَى بِعِتْقِ مَمْلُوكٍ لَهُ أَوْ مَمَالِيكَ - وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يُحِيطُ بِمَا تَرَكَ - وَكَانَ يَفْضُلُ مِنْ الْمَمْلُوكِ فَضْلَةٌ عَنْ الدَّيْنِ - وَإِنْ قَلَّتْ - أُعْتِقَ مَنْ أَوْصَى بِعِتْقِهِ ، وَيَسْعَى لِلْغُرَمَاءِ فِي دَيْنِهِمْ ، ثُمَّ عَتَقَ مِنْهُ ثُلُثُ مَا بَقِيَ بِلَا اسْتِسْعَاءٍ وَاسْتَسْعَى لِلْوَرَثَةِ فِي حَقِّهِمْ .
بُرْهَانُ ذَلِكَ - : أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِنْفَاذِ عِتْقِ مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ ، وَأَنْ يَسْتَسْعِيَ الْمَمْلُوكُ الْمُعْتَقُ لِشَرِيكِ مُعْتِقِهِ ، وَهَذَا الْمُوصَى بِعِتْقِهِ لِلْمُوصِي فِيهِ حَقٌّ - وَقَدْ شَرِكَهُ الْغُرَمَاءُ وَالْوَرَثَةُ - فَيُعْتَقُ وَيَسْعَى . 402 فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ ، فَمَنْ خَرَجَ لِلدَّيْنِ رَقَّ ، وَمَنْ خَرَجَ لِلْوَصِيَّةِ عَتَقَ ، وَرَقَّ الْبَاقُونَ ، إلَّا أَنْ يَشْرَعَ بَيْنَهُمْ لِلْعِتْقِ فِي مَمْلُوكٍ فَيُعْتَقَ مَا بَقِيَ مِنْهُ بِالِاسْتِسْعَاءِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ .
وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
تَمَّ " كِتَابُ الْوَصَايَا " وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث