المغني
المغني · الجزء السادس
الصفحة 3935
( 4595 ) مَسْأَلَةٌ ; قَالَ : ( وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ، إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا وَصَّى لِوَارِثِهِ بِوَصِيَّةٍ ، فَلَمْ يُجِزْهَا سَائِرُ الْوَرَثَةِ ، لَمْ تَصِحَّ . بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا . وَجَاءَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ ، قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { ۝ إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ، فَلَا وَصِيَّةَ لَوَارِثٍ } . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد . وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ . وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنَعَ مِنْ عَطِيَّةِ بَعْضِ وَلَدِهِ ، وَتَفْضِيلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي حَالِ الصِّحَّةِ ، وَقُوَّةِ الْمِلْكِ ، وَإِمْكَانِ تَلَافِي الْعَدْلِ بَيْنَهُمْ بِإِعْطَاءِ الَّذِي لَمْ يُعْطِهِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ ، لِمَا فِيهِ مِنْ إيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْحَسَدِ بَيْنَهُمْ ، فَفِي حَالِ مَوْتِهِ أَوْ مَرَضِهِ ، وَضَعْفِ مِلْكِهِ ، وَتَعَلُّقِ الْحُقُوقِ بِهِ ، وَتَعَذُّرِ تَلَافِي الْعَدْلِ بَيْنَهُمْ ، أَوْلَى وَأَحْرَى . وَإِنْ أَجَازَهَا ، جَازَتْ ، فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ مِنْ الْعُلَمَاءِ . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ ، وَإِنْ أَجَازَهَا سَائِرُ الْوَرَثَةِ ، إلَّا أَنْ يُعْطُوهُ عَطِيَّةً مُبْتَدَأَةً . أَخْذًا مِنْ ظَاهِرِ قَوْلِ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ { ۝ : لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ } . وَهَذَا قَوْلُ الْمُزَنِيّ ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ . وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ ، وَاحْتَجُّوا بِظَاهِرِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ " . وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ ، أَنَّ الْوَصِيَّةَ صَحِيحَةٌ فِي نَفْسِهَا . وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ وَصَّى لِأَجْنَبِيٍّ ، وَالْخَبَرُ قَدْ رُوِيَ فِيهِ { ۝ إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ } . وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْإِجَازَةِ ، وَلَوْ خَلَا مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ كَانَ مَعْنَاهُ لَا وَصِيَّةَ نَافِذَةَ أَوْ لَازِمَةَ ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا ، أَوْ يُقَدَّرُ فِيهِ : لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ عِنْدَ عَدَمِ الْإِجَازَةِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْوَرَثَةِ .
وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ إذَا كَانَتْ صَحِيحَةً ، فَإِجَازَةُ الْوَرَثَةِ تَنْفِيذٌ وَإِجَازَةٌ مَحْضَةٌ ، يَكْفِي فِيهَا قَوْلُ الْوَارِثِ : أَجَزْت ، أَوْ أَمْضَيْت ، أَوْ نَفَّذْت . فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ ، لَزِمَتْ الْوَصِيَّةُ . وَإِنْ كَانَتْ بَاطِلَةً ، كَانَتْ الْإِجَازَةُ هِبَةً مُبْتَدَأَةً ، تَفْتَقِرُ إلَى شُرُوطِ الْهِبَةِ ، مِنْ اللَّفْظِ وَالْقَبُولِ وَالْقَبْضِ ، كَالْهِبَةِ الْمُبْتَدَأَةِ . وَلَوْ رَجَعَ الْمُجِيزُ قَبْلَ الْقَبْضِ فِيمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَبْضُ ، صَحَّ رُجُوعُهُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث