بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء الخامس
الصفحة 2347 · ص. المطبوع 163
( وَأَمَّا ) الْعَدَدِيَّاتُ الْمُتَفَاوِتَةُ كَالْغَنَمِ وَالْعَبِيدِ وَنَحْوِهَا بِأَنْ قَالَ : بِعْتُ مِنْكَ هَذَا الْقَطِيعَ مِنْ الْغَنَمِ عَلَى أَنَّهَا مِائَةُ شَاةٍ بِكَذَا فَإِنْ وَجَدَهُ عَلَى مَا سَمَّى ; فَالْبَيْعُ جَائِزٌ ، وَإِنْ وَجَدَهُ أَزْيَدَ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ فِي الْكُلِّ سَوَاءٌ ذَكَرَ لِلْكُلِّ ثَمَنًا وَاحِدًا بِأَنْ قَالَ : بِعْتُ مِنْكَ هَذَا الْقَطِيعَ عَلَى أَنَّهَا مِائَةُ شَاةٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ ذَكَرَ لِكُلِّ شَاةٍ فِيهَا ثَمَنًا عَلَى حِدَةٍ بِأَنْ قَالَ : كُلُّ شَاةٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ ; لِأَنَّ كُلَّ شَاةٍ أَصْلٌ فِي كَوْنِهَا مَعْقُودًا عَلَيْهَا وَالزِّيَادَةُ لَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ الْعَقْدِ ; لِأَنَّهُ لَا يُقَابِلُهَا ثَمَنٌ ; فَلَمْ تَكُنْ مَبِيعَةً وَهِيَ مَجْهُولَةٌ فَكَانَ الْبَاقِي مَجْهُولًا ضَرُورَةَ جَهَالَةِ الزِّيَادَةِ فَيَصِيرُ بَائِعًا مِائَةَ شَاةٍ مِنْ مِائَةِ شَاةٍ وَوَاحِدَةٍ فَكَانَ الْمَبِيعُ مَجْهُولًا ، وَجَهَالَةُ الْمَبِيعِ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَيْعِ سَمَّى لَهُ ثَمَنًا أَوْ لَمْ يُسَمِّ .
وَإِنْ وَجَدَهُ أَقَلَّ مِمَّا سَمَّى : فَإِنْ كَانَ لَمْ يُسَمِّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا ثَمَنًا فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ ; لِأَنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ ; لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى طَرْحِ ثَمَنِ شَاةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ جُمْلَةِ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى وَهُوَ مَجْهُولُ التَّفَاوُتِ فَاحِشٌ بَيْنَ شَاةٍ وَشَاةٍ فَصَارَ ثَمَنُ الْبَاقِي مَجْهُولًا ضَرُورَةَ جَهَالَةِ حِصَّةِ الشَّاةِ النَّاقِصَةِ ، وَإِنْ سَمَّى لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا ثَمَنًا عَلَى حِدَةٍ ; فَالْبَيْعُ جَائِزٌ بِحِصَّةِ الْبَاقِي مِنْهَا ; لِأَنَّ حِصَّتَهُ الزَّائِدَةَ مَعْلُومَةٌ وَحِصَّةُ الْبَاقِي مَعْلُومَةٌ فَالْفَسَادُ مِنْ أَيْنَ ؟ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : هَذَا مَذْهَبُهُمَا ، فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ فِي الْكُلِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَهُ أَنَّ الصَّفْقَةَ إذَا أُضِيفَتْ إلَى مَا يَحْتَمِلُ الْعَقْدَ وَإِلَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ ; فَالْفَسَادُ يَشِيعُ فِي الْكُلِّ ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّ هَذَا بِلَا خِلَافٍ وَهَكَذَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ وَلَمْ يُذْكَرْ الْخِلَافُ وَهُوَ الصَّحِيحُ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ الْمُضَافَ إلَى مَوْجُودٍ يَجُوزُ أَنْ يَفْسُدَ لِمَعْنًى يُوجِبُ الْفَسَادَ ثُمَّ يَتَعَدَّى الْفَسَادُ إلَى غَيْرِهِ .
وَأَمَّا الْمَعْدُومُ فَلَا يَحْتَمِلُ الْعَقْدَ أَصْلًا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَلَا يُوصَفُ الْعَقْدُ الْمُضَافُ إلَيْهِ بِالْفَسَادِ لِيَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ ، بَلْ لَمْ تَصِحَّ الْإِضَافَةُ إلَيْهِ فَيَبْقَى مُضَافًا إلَى الْمَوْجُودِ فَيَصِحَّ لَكِنْ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَخَذَ الْبَاقِيَ بِمَا سَمَّى مِنْ الثَّمَنِ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا جَمِيعُ الْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَفَاوِتَةِ وَلَوْ قَالَ : بِعْتُ مِنْكَ هَذَا الْقَطِيعَ مِنْ الْغَنَمِ عَلَى أَنَّهَا مِائَةٌ ، كُلُّ شَاتَيْنِ مِنْهَا بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ .
وَإِنْ وَجَدَهُ عَلَى مَا سَمَّى ; لِأَنَّ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الشَّاتَيْنِ مَجْهُولٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ حِصَّةَ كُلِّ شَاةٍ مِنْهَا مِنْ الثَّمَنِ إلَّا بَعْدَ ضَمِّ شَاةٍ أُخْرَى إلَيْهَا وَلَا يَعْلَمُ أَيَّةَ شَاةٍ يَضُمُّ إلَيْهَا لِيَعْلَمَ حِصَّتَهَا ; لِأَنَّهُ إنْ ضَمَّ إلَيْهَا أَرْدَأَ مِنْهَا كَانَتْ حِصَّتُهَا أَكْثَرَ وَإِنْ ضَمَّ إلَيْهَا أَجْوَدَ مِنْهَا كَانَتْ حِصَّتُهَا أَقَلَّ لِذَلِكَ فَسَدَ الْبَيْعُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيمَنْ بَاعَ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ مِنْ مِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ أَوْ مِنْ هَذَا الْحَمَّامِ أَوْ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : جَائِزٌ وَلَوْ بَاعَ عَشَرَةَ أَسْهُمٍ مِنْ مِائَةِ سَهْمٍ ; جَازَ بِالْإِجْمَاعِ وَالْكَلَامُ فِيهِ يَرْجِعُ إلَى مَعْرِفَةِ مَعْنَى الذِّرَاعِ فَقَالَا : إنَّهُ اسْمٌ فِي الْعُرْفِ لِلسَّهْمِ الشَّائِعِ وَلَوْ بَاعَ عَشَرَةَ أَسْهُمٍ مِنْ مِائَةِ سَهْمٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ; جَازَ فَكَذَا هَذَا وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : الذِّرَاعُ فِي الْحَقِيقَةِ اسْمٌ لِمَا يُذْرَعُ بِهِ وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمَذْرُوعُ ذِرَاعًا مَجَازًا إطْلَاقًا لِاسْمِ الْفِعْلِ عَلَى الْمَفْعُولِ .
فَكَانَ 163 بَيْعُ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ مِنْ دَارٍ مَعْنَاهُ : بَيْعُ قَدْرِ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ مِمَّا يَحِلُّهُ الذِّرَاعُ الْحَقِيقِيُّ ; لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ إلَّا مَحَلًّا مُعَيَّنًا فَكَانَ الْمَبِيعُ قَدْرَ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ ، مُعَيَّنٌ مِنْ الدَّارِ وَهُوَ الَّذِي يَحِلُّهُ الذِّرَاعُ الْحَقِيقِيُّ وَذَلِكَ مَجْهُولٌ فِي نَفْسِهِ قَبْلَ الْحُلُولِ فَكَانَ الْمَبِيعُ مَجْهُولًا جَهَالَةً مُفْضِيَةً إلَى الْمُنَازَعَةِ فَيُوجِبُ فَسَادَ الْبَيْعِ بِخِلَافِ السَّهْمِ ; لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلشَّائِعِ وَهُوَ جُزْءٌ مَعْلُومٌ مِنْ الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالْعُشْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَبَيْعُ عَشَرَةِ أَسْهُمٍ مِنْ مِائَةِ سَهْمٍ مِنْ الدَّارِ هُوَ بَيْعُ عَشَرَةِ أَجْزَاءٍ مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ مِنْهَا وَهُوَ عُشْرُهَا ، فَقَدْ بَاعَ جُزْءًا مَعْلُومًا مِنْهَا فَيَجُوزُ بِخِلَافِ الذِّرَاعِ فَإِنَّ قَدْرَ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ لَا يَصِيرُ مَعْلُومًا إلَّا بِالْحُلُولِ عَلَى مَا مَرَّ فَقَبْلَهُ يَكُونُ مَجْهُولًا فَكَانَ الْمَبِيعُ مَجْهُولًا فَلَمْ يَصِحَّ فَوَضَحَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا لِأَبِي حَنِيفَةَ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث