بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء الخامس
الصفحة 2216 · ص. المطبوع 121
( وَأَمَّا ) النَّوْعُ الثَّالِثُ وَهُوَ ذَاتُ الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ فَيَحِلُّ لِلرَّجُلِ النَّظَرُ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ إلَى رَأْسِهَا وَشَعْرِهَا وَأُذُنَيْهَا وَصَدْرِهَا وَعَضُدِهَا وَثَدْيِهَا وَسَاقِهَا وَقَدَمِهَا لِقَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ } الْآيَةَ نَهَاهُنَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ إبْدَاءِ الزِّينَةِ مُطْلَقًا وَاسْتَثْنَى سُبْحَانَهُ إبْدَاءَهَا لِلْمَذْكُورِينَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْهُمْ ذُو الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الْحَظْرِ إبَاحَةٌ فِي الظَّاهِرِ وَالزِّينَةُ نَوْعَانِ ظَاهِرَةٌ وَهُوَ الْكُحْلُ فِي الْعَيْنِ وَالْخَاتَمُ فِي الْأُصْبُعِ وَالْفَتْخَةُ لِلرَّجُلِ وَبَاطِنَةٌ وَهُوَ الْعِصَابَةُ لِلرَّأْسِ وَالْعِقَاصُ لِلشَّعْرِ وَالْقُرْطُ لِلْأُذُنِ وَالْحَمَائِلُ لِلصَّدْرِ وَالدُّمْلُوجُ لِلْعَضُدِ وَالْخَلْخَالُ لِلسَّاقِ وَالْمُرَادُ مِنْ الزِّينَةِ مَوَاضِعُهَا لَا نَفْسُهَا لِأَنَّ إبْدَاءَ نَفْسِ الزِّينَةِ لَيْسَ بِمَنْهِيٍّ .
وَقَدْ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الزِّينَةَ مُطْلَقَةً فَيَتَنَاوَلُ النَّوْعَيْنِ جَمِيعًا فَيَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهَا بِظَاهِرِ النَّصِّ وَلِأَنَّ الْمُخَالَطَةَ بَيْنَ الْمَحَارِمِ لِلزِّيَارَةِ وَغَيْرِهَا ثَابِتَةٌ عَادَةً فَلَا يُمْكِنُ صِيَانَةُ مَوَاضِعِ الزِّينَةِ عَنْ الْكَشْفِ إلَّا بِحَرَجٍ وَأَنَّهُ مَدْفُوعٌ شَرْعًا وَكُلُّ مَا جَازَ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْهُنَّ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ جَازَ مَسُّهُ لِأَنَّ الْمَحْرَمَ يَحْتَاجُ إلَى إرْكَابِهَا وَإِنْزَالِهَا فِي الْمُسَافَرَةِ مَعَهَا وَتَتَعَذَّرُ صِيَانَةُ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ عَنْ الِانْكِشَافِ فَيَتَعَذَّرُ عَلَى الْمَحْرَمِ الصِّيَانَةُ عَنْ مَسَّ الْمَكْشُوفِ وَلِأَنَّ حُرْمَةَ النَّظَرِ إلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَمَسِّهَا مِنْ الْأَجْنَبِيَّاتِ إنَّمَا ثَبَتَ خَوْفًا عَنْ حُصُولِ الشَّهْوَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى الْجِمَاعِ وَالنَّظَرُ إلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ وَمَسُّهَا فِي ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ لَا يُورِثُ الشَّهْوَةَ لِأَنَّهُمَا لَا يَكُونَانِ لِلشَّهْوَةِ عَادَةً بَلْ لِلشَّفَقَةِ وَلِهَذَا جَرَتْ الْعَادَةُ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ بِتَقْبِيلِ أُمَّهَاتِهِمْ وَبَنَاتِهِمْ .
وَقَدْ رُوِيَ { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا قَدِمَ مِنْ الْغَزْوِ قَبَّلَ رَأْسَ السَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا } وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ النَّظَرُ وَالْمَسُّ عَنْ شَهْوَةٍ وَلَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَشْتَهِي فَأَمَّا إذَا كَانَ يَشْتَهِي أَوْ كَانَ غَالِبُ ظَنِّهِ وَأَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ لَوْ نَظَرَ أَوْ مَسَّ اشْتَهَى لَمْ يَجُزْ لَهُ النَّظَرُ وَالْمَسُّ لِأَنَّهُ يَكُونُ سَبَبًا لِلْوُقُوعِ فِي الْحَرَام فَيَكُونُ حَرَامًا وَلَا بَأْسَ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا إذَا أَمِنَ الشَّهْوَةَ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { ۝ لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ ثَلَاثًا فَمَا فَوْقَهَا إلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا } وَلِأَنَّ الَّذِي يَحْتَاجُ الْمَحْرَمُ إلَيْهِ فِي السَّفَرِ مَسَّهَا فِي الْحَمْلِ وَالْإِنْزَالِ وَيَحِلُّ لَهُ مَسُّهَا فَتَحِلُّ الْمُسَافَرَةُ مَعَهَا وَكَذَا لَا بَأْسَ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا إذَا أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا حَلَّ الْمَسُّ فَالْخَلْوَةُ أَوْلَى فَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ يَفْعَلْ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 121 أَنَّهُ قَالَ { ۝ لَا يَخْلُوَنَّ الرَّجُلُ بِمُغَيَّبَةٍ وَإِنَّ قِيلَ حَمُوهَا أَلَا حَمُوهَا الْمَوْتُ } وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الْخَوْفِ أَوْ يَكُونُ نَهْيَ نَدْبٍ وَتَنْزِيهٍ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ وَلَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَى بَطْنِهَا وَظَهْرِهَا وَإِلَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ مِنْهَا وَمَسُّهَا لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ } الْآيَةَ إلَّا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى رَخَّصَ النَّظَرَ لِلْمَحَارِمِ إلَى مَوَاضِعِ الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ } الْآيَةَ فَبَقِيَ غَضُّ الْبَصَرِ عَمَّا وَرَاءَهَا مَأْمُورًا بِهِ .
وَإِذَا لَمْ يَحِلَّ النَّظَرُ فَالْمَسُّ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَقْوَى وَلِأَنَّ رُخْصَةَ النَّظَرِ إلَى مَوَاضِعِ الزِّينَةِ لِلْحَاجَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَلَا حَاجَةَ إلَى النَّظَرِ إلَى مَا وَرَاءَهَا فَكَانَ النَّظَرُ إلَيْهَا بِحَقِّ الشَّهْوَةِ وَأَنَّهُ حَرَامٌ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى جَعَلَ الظِّهَارَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا وَالظِّهَارُ لَيْسَ إلَّا تَشْبِيهُ الْمَنْكُوحَةِ بِظَهْرِ الْأُمِّ فِي حَقِّ الْحُرْمَةِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ظَهْرُ الْأُمِّ حَرَامُ النَّظَرِ وَالْمَسِّ لَمْ يَكُنْ الظِّهَارُ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا فَيُؤَدِّي إلَى الْخُلْفِ فِي خَبَرِ مِنْ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الْخُلْفُ هَذَا إذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَعْضَاءُ مَكْشُوفَةً فَأَمَّا إذَا كَانَتْ مَسْتُورَةً بِالثِّيَابِ وَاحْتَاجَ ذُو الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ إلَى إرْكَابِهَا وَإِنْزَالِهَا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذَ بَطْنَهَا أَوْ ظَهْرَهَا أَوْ فَخِذَهَا مِنْ وَرَاءِ الثَّوْبِ إذَا كَانَ يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَسَّ ذَوَاتِ الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ لَا يُورِثُ الشَّهْوَةَ عَادَةً خُصُوصًا مِنْ وَرَاءِ الثَّوْبِ حَتَّى لَوْ خَافَ الشَّهْوَةَ فِي الْمَسِّ لَا يَمَسُّهُ وَلِيَجْتَنِبْ مَا اسْتَطَاعَ وَكُلُّ مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ ذَوَاتِ الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ مِنْهُ مِنْ النَّظَرِ وَالْمَسُّ يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ ذَلِكَ مِنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا وَكُلُّ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ يَحْرُمُ عَلَيْهَا وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث